المواضيع اللاهوتية الرئيسية في الصلوات الطقسية الكلدانية

غبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكلدان في العراق والعالم

الليتورجيا موضوع صعب وحساس للغاية، الهدف منها اهتداء الناس الى اللّه بالتواضع والتوبة والثقة باللّه باتجاه عامودي لتنعكس أفقياً في التعامل مع الاخوة.

الليتورجيا هي في قلب الجماعة. انها ارث إيمان ورُتب احتفال الجماعة الكنسية بالقداس والمعمودية والميرون والرسامات الكهنوتية وبركة الزواج والتوبة ومسحة المرضى وصلوات الصباح والمساء. الليتورجيا خبرة حياة واحتفال الجماعة وليست عبادة فردية، لذلك تستوجب تغيير العناصر الخارجية والثقافية للنصوص وتكييفها مع متطلبات الوضع الحاضر، بعيدًا عن "ألاُحادية – النمطية" informality مع الالتزام بالتواصل مع التقليد الحي وليس الجامد.

نظَّم المشرقيون طقوسهم (صلواتهم) بحسب متطلبات وضعهم الاجتماعي والثقافي والجيوسياسي. واجد ان كل كنيسة ترتبط طقوسها ببيئتها ولغتها وثقافتها وآبائها وبالتقليد الرسولي المتواتر فيها.

هذه الطقوس – الصلوات انتاج فني ولاهوتي وحضاري فريد من نوعه. لقد جاءت اولاً باللغة السريانية الشرقية (الكلدانية) عبر فنونها الأدبية المتنوعة خصوصاً الشعرية منها كوسيلة للتعبير عن ايمان الكنيسة وتعليمها، والتأثير على المتلقين في ظروفهم الصعبة لترسيخ أملهم وتعزيز ثقتهم باللّه. معظم هذه النصوص تعود الى آباء الكنيسة (ما بين سنة 100 – 750).

الليتورجيا بالتالي هي ينابيع حقيقية للإيمان والتعليم والاخلاق والروحانية. اللاهوت بالنسبة للمشرقيين لم يكن نظرياً ومدرسياً ومنهجياً كما الحال في الكنيسة الغربية، بل كان ممارسة حياتية فريدة وعميقة يرتكز على اللاهوت الكتابي biblical theology. كل كنيسة تعبّر عن لاهوتها الخاص في ليتورجيتها، وتتعرف على اللّه في ضوء الحقيقة الموحاة في الكتاب المقدس الذي تقوم بقراءة فصول مختارة منه في طقوسها. والمؤمن عندما يصلي ويعي ما يصليه ويعيشه، يرتقي بعلاقته مع اللّه ومع الكنيسة ومع الإخوة.

كل احتفال مرتبط مباشرة بايمان الكنيسة مما يشكّل هويتها الخاصة. كل صلواتنا تبدأ بـتسبحة الملائكة ليلة ميلاد السيد المسيح “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر” (لوقا 2/ 14). اني معجب بالتعبير الواضح والمباشر لهذه الصلوات ومعانيها البليغة التي لا تتضمن تعابير فلسفية نظرية speculative. هذه المواضيع انجيلية كما سنرى وتُعَد خارطة طريق للمسيحيين.

  1. اللّه الآب

 توجَّه الصلوات عموماً الى اللّه مُحِب البشر، والحنَّان والرحوم. اللّه الآب هو المصدر. تتكلم الليتورجيا عن سموّه الذي يفوق إدراك البشر، لذا تستخدم اسلوب النفي apophatic: انه غير منظور وغير مُدرَك… وأحيانا لا تذكر اسم الجلالة (اسم اللّه) كما في اليهودية والإسلام، احترامًا لسموّه وقدسيته: سبحان الصالح ܫܘܒܚܐ ܠܛܒܐ، أو الشكر للصالح ܬܘܕܝ ܠܛܒܐ أو في القداس: ذاكَ الذي بارَكنا بكل البركات الروحية ܗܘ ܕܒܪܟܢ: وتعبّر هذه التسبحة عن هذا السمو وفقر الانسان أمامه: “لا تستطيع الكائنات ان تُدرك وجودَك أيها الكائن الأزلي الساكن في النور البهي الذي لا شبيه له، وليس بمقدور الانسان ان يدنوَ منه. من خلال مخلوقاتك تتجلى عظمة سخائك تجاه صنع يديك، انت السيد والخالق والقادر على كل شيء ومدبّر الكلّ”. (تسبحة ܩܒܠ ܡܪܢ ܒܐܥܘܬ ܟܠܢ) (الحوذرا مجلد 1 ص44).

كما تشير الصلوات الى صفاته: انه الرب والخالق وكلّي القدرة، ورهيب. انها هيبة الآب الوقور، وليس رهبة الخوف، عظيمٌ بمحبته وبرحمته الواسعة. لكن اللّه والانسان وجودان من مستويين مختلفين تماماً، لذا راحت الكنائس تفصل قدس الاقداس عن صحن الكنيسة للتعبير عن سموّ اللّه وقداسته، وتدعو المؤمنين الى الصلاة بصمت وخشوع “ܒܫܠܝܐ ܘܘܕܚܠܬܐ…”

يعترف المؤمن بان اللّه هو "سبب وجودنا ونسمة حياتنا" مما يسمح له ان يقف أمام سرّه مؤمناً ومنذهلاً، وليس فيلسوفاً فاحصاً ومُحللاً. ان العلاقة مع اللّه تتأسس على الحبّ والإنجذاب وليس على الاقناع ببراهين فلسفية ولا على الخوف. وما على المؤمن الا ان يبارك اللّه ويشكره ويسبّحه ويسجد له، ويتضرّع لنيل رضاه وبركته ورحمته ومغفرة خطاياه. "لا تخيّب رجاءَنا، ولا تُغلِقْ بابكَ بوجهِنا، ولا تحرِمنا من عنايتك، ولا تعامِلنا بحسبِ إستحقاقِنا، لأنكَ أنتَ وحدكَ عالمٌ بضَعفِنا يا اللّه" (تسبحة ܡܕܢܚܝ ܨܦܪܐ حوذرا مجلد 1 ص 33). ويتكرر في معظم الصلوات طلب السلام والأمان (ܢܨܠܐ ܫܠܡܐ ܥܡܢ). من الملاحظ ايضاً ان الآب والابن والروح القدس هما أقانيم، والمسيح وحده يسمى “فرصوفا ܦܪܨܘܦܐ” لانه منظور. وان السجود والتسبيح يرفعه المؤمن للآب والابن والروح القدس في شركة كاملة. “ܠܐܒܐ ܘܒܪܐ ܘܪܘܚܐ ܕܩܘܕܫܐ ܢܣܩ ܠܥܠܡ ܥܠܡܝܢ ܐܡܝܢ   اننا نرفع المجد للاب والابن والروح القدس الى ابد امين” (حوذرا 2 ص 75).

2. المسيح

الكريستولوجيا المشرقية كتابية ايضاً، أي تنطلق من الكتاب المقدس، ويعبَّر عنها في صلاة الكنيسة، انها خبرة حياة أكثر منها عقيدة نظرية…

يحتل المسيح مكانة مركزية في صلوات كنيسة المشرق. نجد معظم ألقابه فيها: المسيح، ابن الانسان، وابن اللّه، والابن البكر، والوحيد، والمخلِّص. هناك صلوات موجَّهة مباشرة الى المسيح إلهنا وربنا وملكنا “ܘܡܪܢ ܘܡܠܟܢ ܡܫܝܚܐ ܐܠܗܢ..” واحياناً تسميه ملكنا المظفر ܡܠܟܢ ܙܟܝܐ (حوذرا 2 ص 66).

ان الجدالات اللاهوتية حول المسيح لم تؤثر على لاهوت كنيسة المشرق التي كانت معزولة عن المملكة الرومانية ولن تشترك في جدالات مجامع افسس سنة 431 وخلقيدونية سنة 451.. المشرقيون يذكرون آريوس ويرفضونه..

استعمل طقسنا كلمة التأنس ܡܬܒܪܢܫܘܬܐ بدل التجسّد لان المسيح ابن الانسان وهو ابن اللّه الذي صار انساناً من أجل ان يكون الانسان إنسانياً من خلال عيش متطلبات الإنجيل والاندماج في المسيح.

تركّز الصلوات على قيامة المسيح. والصليب المجَّرد من الجسد يسمّونه الصليب الممجد ܨܠܝܒܐ ܡܫܒܚܐ. وتدور السنة الطقسية حول محور تدبير الخلاص – القيامة الذي حققه المسيح.

الانتفونة التي نرددها صباحاً ومساءً في الصلاة الطقسية وفي القداس وبقية الطقوس، والتي تعود بحسب التقليد الى البطريرك الشهيد مار شمعون برصباعي (+ 341) تعبِّر عن مكانة المسيح: “ܠܟܘ ܡܪܐ ܕܟܠܐ… الحمدُ لك يا ربّ الكل، المجدُ لك يا يسوع المسيح، لأنك باعثُ أجسادنا ومخلصُ نفوسنا”. اذًا نحن بنات وأبناء اللّه من خلال المسيح الأخ البكر وخلاصنا يتم باندماجنا به في علاقة صوفية mystical .

3. الروح القدس

 حضور الروح القدس وفعله موجود في الصلوات. ܪܘܚܐ ܩܕܝܫܐ .. وهو ينبثق بحسب قانون ايمان كنيسة المشرق، من الآب. تبنّى الكلدان عبارة من الآب والابن عندما إتّحدوا مع الكنيسة الكاثوليكية. في التجديد الاخير 2019 لرتب القداس احتفظنا في القداس الثاني بعبارة من الآب. ان التعبيرين صحيحان. وفي القداس: يتم التحول من خلال دعوة الروح القدس، وليس بفعل كلام سرد العشاء الأخير (في اللية التي أسلم فيها للموت..) الذي لم يكن موجوداً في رتبة قداس اداي وماري واتمنى ان يرفع هذا النص احتراماً لاصالة قداس اداي وماري وقد اعترف الكرسي الرسولي بذلك واقرَّ رفعها، لكن تركناها لتعوّد الناس عليها.

4. مريم العذراء

اعتمدت طقوس كنيسة المشرق خط الاعتدال الموجود في العهد الجديد، لكن في التقوى الشعبية للعذراء مكانة كبيرة، حتى عند المسلمين.

الليتورجيا المشرقية تفرز مكانة مهمة لمريم العذراء. مكانتها ودورها مرتبطان أساساً بابنها يسوع المسيح. ايقونتها معه دوماً. كنيسة المشرق استعملت مصطلح ام المسيح Christotokos وليس ام اللّه Theotokos لتجنُّب الالتباس بانها ام الثالوث. اليوم، يستعمل الكلدان اللقبين.

الكنيسة الكلدانية تحتفل بقداستها وتكريمها في البشارة التي بها تبدأ السنة الطقسية وتهنئتها بولادة المسيح وانتقالها الى السماء. في صلوات الصباح والمساء: لها ترتيلة خاصة قبل المزمور وبعده وفي تراتيلة الرمش ܥܘܢܝܬܐ ܕܪܡܫܐ، اي بعد الطلبات، وترتيلة ضمن تراتيل الشهداء. فضلاً عن تخصيص يوم الأربعاء لتكريمها. انها عذراء نقية وام المعونة ومعزية الحزانى (الحوذرا 1 ص 19، ص 29 و93 و81). شفاعتها مرتبطة بابنها: “مهما قال لكم فافعلوه” (يوحنا2/ 5). تقول صلاة للكاهن في صلاة الصباح والمساء: لتكن يا رب صلاة البتول القديسة والام المباركة مريم الممتلئة نعمة وتضرعها وحنانها معنا في كل الاوقات” (الحوذرا 1 ص16).

5. الكنيسة

الكنيسة عروس المسيح. لليتورجيا دور حيوي في حياة الكنيسة انها صلاتها الرسمية. الاُسقف هو رئيس الكنيسة المحلية والبطريرك الرئيس العام لها. الاثنان يمثلان صورة المسيح الكاهن الأعظم وباسمه يترأسان الصلاة. الكنيسة شركة المحبة، فهي واحدة ومتنوعة.

الليتورجيا أساسها الكنيسة ومندمجة فيها. وظيفتها تقديس الكنيسة (الجماعة الملتفة حول المسيح). والصلوات كتبت بصيغة الجمع: نسبّح ونشكر ونمجّد ونسجد.

الكنيسة عائلة “الجماعة” والاُسقف هو الأب والراعي والأخ وليس اميراً وسلطته هي في الخدمة والتنشئة الايمانية والروحية والانسانية وليس للسيادة. والعمل في الكنيسة جماعي يتم من خلال السينودس. في الأبرشيات: ينبغي ان يعمل المطران مع مجلس الكهنة والمجلس الابرشي ܣܝܥܬܐ. الاُسقف الأب والرأس هو من يترأس الاحتفالات الليتورجية. ولهذا فمن غير المقبول ان يقدّس في كابيلّته وحده..

6. الزمن الاواخري eschatology

  • الليتورجيا مشبّعة بالرجاء. تتطلع الى الزمن العتيد- المستقبل ܙܒܢܐ ܕܥܬܝܕ. انها كونيّة وأبدية. تبدأ بقيامة المسيح وتدخل في الابدية. ليتورجيا الأرض عربون ليتورجيا السماء. وترمز الى مذبح ليتورجيا السماء. يشترك فيها الملائكة والبشر امام عرش اللّه (سفر الرؤيا 4/ 1-11، والرسالة الى العبرانيين 9/ 1-14)…

هذا المقال نُشر على موقع البطريركيّة الكلدانيّة في بغداد، لقراءة المزيد إضغط هنا.

Previous
Previous

طقس رمش الآحاد والأعياد

Next
Next

السنة الطقسّية ومعانيها