"وثيقة الأخوة الإنسانية" الانتصار للتسامح والرحمة

Dr Ahmad Zohbi.jpg

د. أحمد الزعبي
باحث واستاذ جامعي  

يمكن القول بكثير من الموضوعية والأمانة أن "وثيقة الأخوة الإنسانية" الموقعة من قبل البابا فرنسيس وشيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب في أبو ظبي (4 شباط 2019)، شكّلت حدثاً تاريخياً بكل ما للكلمة من معاني، وأنها فتحت أبواباً لصناعة مستقبل آخر من السلام والانفتاح والمحبة والتعاون، ليس بين الكاثوليكية والإسلام فحسب، بل بين المكونات الإنسانية جميعاً.

 بابا استثنائي
في التأسيس، لا بدّ من التذكير بأن البابا فرنسيس شخصية استثنائية، تمثل نمطاً جديداً من البابوات، ما عرفت الكنيسة الكاثوليكية نظيراً له في شخصيته ورؤيته وتطلعاته وفي العلاقة مع المسلمين. فهو المتضامن بصدق، قولاً وفعلاً، مع آلام الفقراء والمعذَّبين في الأرض، وفي أكثر من مناسبة وموقف أرسل إشارات مودة خاصة تجاه المسلمين باعتبارهم الأكثر معاناة بين أُمم العالم، كما أنّ دينهم وهو أكبر أديان العالم من حيث عددُ معتنقيه، يتعرض للظلم من جانب أهل الديانات الأُخرى، ومن جانب الدول والشعوب الغربية على وجه الخصوص، فكان بكل بمواقف وحركته الدائبة رجل السلام والحوار والعيش المشترك، ورجل الصداقة للمسلمين، ورجل الدفاع عن القضايا العادلة.

فور توليه الكرسي الرسولي عام 2013 اتخذ لنفسه اسم "فرنسيس". وفرنسيس من بلدة أسيز بجنوب إيطاليا، هو الراهب المؤسس لرهبنة الفرنسيسكان، عاش في أواسط القرن الرابع عشر، وأنشأ طائفة الرهبان الجوَّالين، الذين يحرصون على ألا يملكوا شيئاً مثل السيد المسيح، وأن يعملوا في خدمة الفقراء والذين ضربتهم الحروب والطواعين في ذلك الزمان. لكن ما لا يعرفه كثيرون عن ذلك الراهب أنه كان شديد الحرص والإيمان والثقة بإمكان صنع سلام مع المسلمين، والخروج من الحروب الصليبية، وكانت له لقاءات مع الملك الكامل الأيوبي سلطان مصر، الذي كان قد عقد هدنة مع الصليبيين وأعاد تسليم القدس إليهم بعد أن فتحها عمه صلاح الدين، وعجز هو عن الدفاع عنها.. وبين الرجلين قصص تروى، وعلى هدي الأسيزي يقول فرنسيس إنه ليس بابا الفقراء والمعذَّبين فحسب، بل أيضاً بابا المودة مع المسلمين.

الجديد في علاقة البابا فرنسيس مع المسلمين هو أنه يتحدث عن إيمان المسلمين، فخلافاً للتقليد القديم في النصوص الكنسية (مجمع الفاتيكان الثاني مثلاً 1962 - 1965) في الحديث عن المسلمين وأنهم يعبدون الله، وينتسبون إلى إبراهيم، يتحدث البابا فرنسيس عن المسلمين وإيمانهم ومودتهم، وعن الإسلام باعتباره دينَ إيمانٍ وسلامٍ ورحمة لبني البشر، وهو يعتبر أن حروب الماضي، وأحداث الإرهاب في الحاضر، ينبغي أن تصبح دروساً نفيد منها.

كذلك يذكر للبابا فرنسيس أنه كان اعتبر في العام 2016 الإسلام ديانة للرحمة والمعروف، وجعل ذلك العام عاماً للرحمة، ومن بعده العام 2017 عاماً لمكافحة الفقر، والعام 2018 عاماً للضيافة وحقوق المهاجرين واللاجئين، وقبل الإمارات زار حواضر في العالم الإسلامي كفلسطين والأردن في العام 2014، ومصر في 2017، ومن بعد أبو ظبي (شباط 2019) سيزور المغرب في شهر آذار الجاري.

 وثيقة للحاضر والمستقبل

لم يكن لقاء البابا فرنسيس بشيخ الأزهر في أبو ظبي الأول، فبين الرجلين معرفة ومودة، وسبق للشيخ الطيب أن استقبل البابا في مصر في العام 2017 وشهدا على عدد من الإعلانات والبيانات المهمة في قضايا مكافحة التطرف والإرهاب وتعزيز المواطنة والعيش الواحد، وصولاً إلى إعلان «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي تشبه إلى حدّ ما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ لكنها قائمة على القيم الدينية والأخلاقية مثل الرحمة والمحبة والإنصاف وقبول الآخر ومعاملة البر والقسط، والسعي للسلام والأخوة، وبذلك تكتسب أهمية استثنائية لمواجهة ارتفاع منسوب خطاب الشعبويات والعنصريات والتطرف حول العالم، ولأنها تؤسّس لصفحة جديدة من العلاقات بين الدينين الأوسع انتشاراً في الأرض.

والواقع أن إحياء قيمة التسامح باتت مطلوبة، ليس من المسلمين فحسب، بل من بقية الأديان العالمية، لمواجهة وباء التطرف والإرهاب والاسلاموفوبيا والظلم اللاحق بعشرات الملايين من البشر، ومن بينهم مسلمون في الصين وبورما على سبيل المثال، ولحث الأنظمة والكيانات العالمية على الالتزام بالمواثيق والعهود والاتفاقيات التي تحترم الإنسان وحرياته العامة ومن بينها حرية الدين والمعتقد، هذه القيم (الاعتدال والإقبال على العالم بانفتاح وتعاون) إذا ما اقترنت مع سياسات تنموية صحيحة ومواطنةٍ كاملة، أمّنت للإنسان الرفاهية والرعاية والأمن الاجتماعي والمشاركة الفعالة، وكان من نتيجتها الاستقرار والتقدم والازدهار.   

العالم يضجّ بالظلم وغياب المعايير وافتقاد القيم، وأمامنا خياران لا ثالث لهما، العيش المشترك والتسامح والرحمة والتعاون، أو التطرف والقتل واغتصاب الحقوق.. وأغلب الظن أن لا مجال للانحياز في معركة الانتصار للقيم الإنسانية الكبرى.