فيديو: رسالة الميلاد من الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط د. ميشال عبس

ولد طفل فتجسد الإله

د. ميشال أ. عبس

أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط

هذه الرسالة موجهة من أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط، خادم الكنائس وأهالي المنطقة التي ولد فيها السيد المسيح، المنطقة المسماة مهد الحضارة، وفي الوقت نفسه مهد المسيحية.

ولادة المخلص المتجسد على أرضه، أرض المشرق، أرض فلسطين، هي بحد ذاتها رسالة للإنسانية.

منذ غابر الأزمنة، عندما أخضع بحارة بلادنا اليَمّ، الى الحين الذي قال فيه السيد لتلاميذه "اذهبوا وبشروا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" المسار واحد: المحبة والشراكة والانفتاح. لطالما نقلت الحضارة التي بناها شعبنا هذه الرسالة إلى الإنسانية.

في الفقر والاضطهاد، ولد الطفل.

لاجئاً ولد الطفل، مهدداً بالقتل في أية لحظة على يد طاغية متشبث بالسلطة والسيطرة.

اعزل هو الطفل أمام قتلة الأطفال المدججين بالسلاح.

غريب هو الطفل في أرضه ووسط شعبه الذي أعماه التعصب والجشع.

في مكان متواضع ولد الطفل، مكانٍ بعيدٍ عن اُبَهَة قصور الطغاة.

في مكان بارد ولد الطفل، بعيداً جداً عن دفء مساكن الأقوياء الوثيرة.

قلة قليلة هم من أظهروا المحبة للمسيح الطفل عند ولادته. كانت الحيوانات أكثر إنسانية معه من بعض البشر.

بعد ألفيَّتَين، يتكرر المشهد نفسه في بلاد المشرق.

الفساد والاستبداد يطاردان الوعد الذي يجسده الجيل الجديد. يقضي الأطفال فقط لأنهم وُجدوا في المكان غير المناسب في الوقت غير المناسب.

يقضي الأطفال وهم يدافعون عن حقهم في التواجد على أرضهم بالحجر والمقلاع وهم يحاولون حماية ثقافتهم وتراثهم.

ولد طفل في بيت لحم منذ زمن بعيد.

بعد ألفيَّتَين، يشهد الأطفال اليوم تدمير منازلهم واقتلاع أشجارهم. من جديد يوصم الأطفال، مرارًا وتكرارًا، بالغرباء واللاجئين والمرذولين.

بعد ألفي سنة من ولادة الطفل المسيح، بقيت البشرية خرساء، في تواطؤٍ مريب يوحي بأنها شريكة في تدمير بلاد المشرق، مهد الحضارة والمسيحية. قلة فقط لم يقبلوا أن يتحولوا شهود زور فتطوعوا للإنقاذ والدعم.

إن البشرية برمَّتها مدعوة للاستيقاظ وتصحيح الوضع، والتدخل من أجل الإنقاذ، عبر تقديم يد العون، للإبقاء على حضارة وثقافة يُعتبر وجودها أمرًا أساسيًا للإنسانية جمعاء.

ان الساكت عن الحق شيطان أخرس.

لا يزال يصح اليومَ في بلادنا، كما كان يوم مجيء الابن الذي وُلد لنا في مهد في بيت لحم، أن "للثعالب اوجرة، ولطيور السماء اوكار، اما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه "(لوقا 9: ​​58).

في زمننا الراهن هذا أيضاً، عٌلق على صليب لامبالاة العالم، الذي علق الأرض على المياه. مَن هو ملك الملائكة، متوج بإكليل من شوك في عالم غير مبالٍ. من يلف السماوات بالغيوم، يتم لفه بأرجوان السخرية في سياق المصالح المستترة للممارسات البشرية في يومنا الحاضر. من أعتق آدم في الأردن، يُصفع على وجهه من عالم قاس. عروس الكنيسة مثبت بالمسامير من قبل مجتمع غير مكترث. ابن العذراء المضجعْ في المذود يٌطعن بحربة الحبكات الخفية للطبقة الاجتماعية المسيطرة.

في هذا اليوم الحاضر دائمًا، لننضم إلى كنيسته مبتهلين ومرنمين بصوت واحد للمسيح الطفل، ونحن نقتبس كلمات الانتيفونا الخامسة عشرة التي ننشدها في سحريات القيامة في الكنيسة المشرقية:

"أعطني هذا الغريب الذي منذ طفوليته تغرَّب كغريب،

"أعطني هذا الغريب الذي أستغربُ مشاهدتي اياه ضيفا للموت،

"أعطني هذا الغريب، الذي بطريقةٍ غريبة هو غريب عن الموت،

"أعطني هذا الغريب الذي يعرف أن يُقْريَ الفقراء والغرباء،

"أعطني هذا الغريب، الذي أبعده حسد البشرية عن العالم،

"أعطني هذا الغريب لكي اواريه في لحد، الذي بما أنه غريبٌ ليس له أين يسند رأسه،

نسجد لولادتك المتواضعة أيها المسيح. نحن مجروحون في قلوبنا عندما نشاهدك في غربتك كميتٍ في العالم. نتضرع إليك أيها السيد وانت مضجع اليوم في كهف مظلم من قساوتنا، أن تغمرنا جميعًا برحمتك اللامتناهية.

 

أظهر لنا قوة قيامتك المجيدة لأننا في قيامتك نتقوى ونعظمك.

 

بيروت، 25 كانون الأول 2020

Previous
Previous

مقابلة مع الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط د. ميشال عبس على منصّات المركز الأنطاكيّ الأرثوذكسيّ للإعلام، يحاوره د. جان توما

Next
Next

نجم الميلاد، في لقاء فريق الأمانة العامة لمجلس كنائس الشرق الأوسط