مجمع الكنائس للخدمة الإجتماعيّة يواصل مساعدة سكان المنطقة المتضرّرة في بيروت

تقرير ريم حداد

شقّت الشاحنة الصغيرة المحمّلة بالصناديق طريقها بحذر إلى شارع ألكسندر، وهو طريق فرعي في مار مخايل على بعد دقائق قليلة من مرفأ بيروت.

DSPR 1.jpg
DSPR 2.jpg

"أهلًا، أهلًا!" استقبلت نورما عيراني إلياس حبيب من "مجمع الكنائس للخدمة الإجتماعيّة" بحرارة، "أحضرت غازي الجديد؟!"

كانت عيراني تقفز بحماسة على الرغم من أنّها في الستينيّات من عمرها. فقالت مبتسمة: "لا أعرف كيف أشكرك!."

حمل سائق الشاحنة صندوقًا كبيرًا على ظهره وصعد بحذر الى شقّتها في الطابق الثالث.

التقى حبيب بعيراني في آب/ أغسطس، بعد انفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة نحو 200 شخص وإصابة الآلاف وتشريد أكثر من 300,000 شخص. دُمرت شقة عيراني، فطلبت مساعدة اللجنة لتنظيفها. وحوّلت اللجنة مطعمًا مدمرًا في شارع مار مخايل الى مركز مؤقّت لها. في ذلك الوقت، كان حبيب مسؤولاً عن فريق من عشرين مراهقًا فلسطينيًّا من مخيّم ضبيه ساهموا بتنظيف المنطقة لثلاثة أشهر. وقد نظّف فريق "مجمع الكنائس للخدمة الإجتماعيّة" أكثر من 600 بيت من حطام الزجاج والخشب، ونقل الأكياس الثقيلة على الأدراج. كما درست اللجنة وضع البيوت التي زارتها لمعرفة احتياجاتها الملحّة.

DSPR 3.jpg
DSPR 4.jpg

وطلب بعض الأهالي من اللجنة تأمين الألعاب لأطفالهم للتعويض عن ألعابهم التي أحبوها وفقدوها في الإنفجار. وعندما بدأت المدارس، طلبوا أيضًا تأمين القرطاسيّة التي تمسّ الحاجة إليها.

شرحت إحدى الأمّهات بخجل: "لم نكن دائمًا بهذا الفقر. فمنذ عام، كنّا قادرين على شراء أغراض أطفالنا بأنفسنا من دون مساعدة أحد... لكن الأمر اختلف الآن."

للأسف، هذا هو لبنان الجديد. فالدولة تغرق في أزمة اقتصاديّة لم يسبق لها مثيل وعملتها فقدت حوالى 80٪ من قيمتها، وأسواقها تشهد تضخّمًا مُفرطًا في أسعار الحاجات الأساسيّة.

زاد الوباء من حدّة إنهيار الإقتصاد اللبنانيّ

أمّا بالنسبة للمحظوظين الذين حافظوا على وظائفهم، فأصبحت رواتبهم تساوي بضع دولارات وهي بالكاد تكفي لشراء الطعام، ناهيك عن شراء سلع أخرى.

بفضل المتبرّعين، تمكّن "مجمع الكنائس للخدمة الإجتماعيّة" من شراء بطاقات هدايا لأطفال كثر يعيشون في المنطقة المتضرّرة. فتوجّه هؤلاء الصغار بفرح إلى المكتبة واختاروا ألعابًا جديدة وأقلام رصاص وحبر ودفاتر ومحايات وكلّ ما يحتاجونه من مستلزمات مدرسيّة.

DSPR 5.jpg

وتلقى الأهالي هدايا همّ في أمسّ الحاجة إليها وهي عبارة عن قسائم شرائيّة تمكنهم من شراء الطعام والأدوات المنزليّة في السوبر ماركت المحلّي، فكانوا ممتنّين جدًا.

DSPR 6.jpg

التجهيزات المنزليّة أحدث مشروع للّجنة

كانت عائلات عدة تعيش من دون الأجهزة المنزليّة الكبيرة الأساسيّة، وأبرزها: الغاز وأدوات التدفئة، والغسّالات، والبرّادات. كانت لجنة المَجمع تسمع القصّة نفسها كل مرة. هذه العائلات الميسورة نسبيًّا لم يعد لديها وسيلة لشراء التجهيزات المنزليّة، فطلبوا مساعدة "مجمع الكنائس للخدمة الإجتماعيّة".

وهكذا بدأت عمليّة توصيل الأجهزة إلى 60 عائلة كانت في أمسّ الحاجة إليها. غادر حبيب وعيراني لا تزال تتفحّص الغاز الجديد بحماسة وألقى نظرة على قائمته.

DSPR 7.jpg
DSPR 9.jpg

كان دور جوزيف غريّب، فقد تعرّضت شقته الواقعة في زاوية مبنى عمره قرن بنوافذ مقوّسة وسقف من القرميد الأحمر لأضرار بالغة.

طلب غريّب غسالة، فكانت والدته المسنّة بالكاد تستطيع الرؤية ولا يمكنها غسل الملابس باليد. مرّة أخرى، حمل سائق الشاحنة صندوقًا على ظهره وصعد الدرج الى الطابق الثالث وتمّ تسليم الآلة.

عندما عاد حبيب إلى الشارع لتفحصّ قائمته، اقترب منه رجل وسأله "هل تأمنون تلفاز؟"

أجابه حبيب: "لا، أنا آسف."

بدا استياء الرجل واضحًا، وقال: "هلّا أتيت معي وألقيت نظرة على منزلي؟"

DSPR 8.jpg

تبع حبيب الرجل. استقبلت الرجلان امرأة مسنّة ترتدي ثياباً سوداء بابتسامة لطيفة. كانت عائلة أرمنيّة.

أشار رافي توسونيان البالغ من العمر 45 عامًا إلى شاشة تلفاز على الطاولة وقال: "إنه لا يعمل، ولا يمكننا شراء غيره."

وُضعت ساعة حديديّة مكسورة الى جانب التلفزيون المعطل. أمسكها توسونيان وأراها لحبيب.

وقال "كان والدي يرتدي هذه الساعة عندما حدث الإنفجار، هذه كلّ ما تبقى لي منه."

في 4 آب / أغسطس عند الساعة 5:45 مساءً، غادر والده البالغ من العمر 85 عامًا محل خياطة العائلة وتوجّه إلى المنزل. وتأخّر إبنه وزوجته للعودة.

عند الساعة 6:07 مساءً، اهتزّ الحيّ، وخرج أشخاص ملطخون بالدماء ومصدومون إلى الشوارع. ركض توسونيان إلى المنزل. كان والده الملطخ بالدماء، ملقى على أرض الشقة ومئات شظايا الزجاج مغروسة في جسده. وهكذا انكسرت ساعته الحديديّة.

سأل توسونيان بهدوء: "من فضلك، هلّلا أمّنت لنا تلفاز؟"

أجاب حبيب: "سأعمل جهدي."

أومأ توسونيان بامتنان.

خرج حبيب وتنهّد. فقد كان مسؤولاً عن عمل "مجمع الكنائس للخدمة الإجتماعيّة" في المنطقة المتضررة منذ اليوم الأول وقد رأى كل شيء: الأضرار والدموع والهزيمة والعجز...

قال حبيب محبطًا: "ماذا عسانا أن نفعل؟ لا يمكننا مساعدة الجميع، كيف نفعل ذلك؟"

وقف صامتًا لبضع ثوان ثمّ قال: "ما من شيء أسوأ من رفض مساعدة من يطلب مساعدتك، لكن لا يمكننا إلا أن نعطي بقدر ما أُعطينا، هذا هو الواقع."

عاد حبيب إلى الشاحنة، وكان سائق الشاحنة المرهق يراقب الصناديق. قد أتمّوا ثلاث عمليّات تسليم ناجحة اليوم.

غدا، يوم جديد وتجهيزات جديدة عليهم تسليمها.

نتوجه بالشكر إلى UMCOR وكنيسة فنلندا وACT Alliance  للسماح لنا بادخال السعادة ولو الى عدد قليل من العائلات المتضرّرة من انفجار مرفأ بيروت.

Previous
Previous

رسائل من البابا فرنسيس إلى المشرقييّن

Next
Next

دورة تدريبيّة في دمشق لحماية الأطفال