بين مرفأ بيروت وكنيسة مار أنطونيوس البادواني قصّة جيران ودمٌّ ودموع

كاهن الرّعيّة: "الصّمود" كلمة العام ولا يمكن أن ننسى

100% من أبناء الرعيّة هجروا لكنّ الكنيسة بقيت الملجأ الآمن الوحيد لهم

ناجيات من الكارثة: "قتلونا وما حدا قال وينكن!"

هذا التحقيق متوفّر أيضًا باللّغتين الإنكليزيّة والإسبانيّة.

1.png

في الذّكرى السّنويّة الأولى لإنفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020، أصدرت دائرة التواصل والعلاقات العامة في مجلس كنائس الشرق الأوسط عددًا خاصًّا من مجلّة المجلس الفصليّة "المنتدى" في آب/ أغسطس 2021، تحت عنوان "بيروت في قلب الكنيسة، بيروت قيامية!". في العدد تحقيق من إعداد إيليا نصرالله حول "كنيسة مار مطانيوس"، الجمّيزة، ورعيّتها الّتي أُصيبت في الصّميم.



تحقيق وتصوير إيليا نصراللّه


قبل الساعة السادسة و7 دقائق عشية 4 آب كان مرفأ بيروت يُعدّ من بين أهمّ مرافئ الشّرق الأوسط ورئة يتنفّس منها لبنان ودول الجوار.

أيضًا، قبل تلك الدقيقة السابعة كانت كنيسة مار أنطونيوس البادواني المطلّة على الواجهة البحريّة، جارة المرفأ تغرق بين أشجار الحديقة حولها وكانت قبّة الكنيسة والصليب ملتقى العصافير وطابق أقرب إلى السماء.

2.jpg

إلى أن دقّت اللحظة، حين ضاق العنبر رقم 12 على النار المشتعلة فيه، ربما منذ ساعة، أو ربما حتى ساعات! إنفجرت أو فُجّرت، وفجّرت معها المرفأ المغدور، شلّعت نصف العاصمة بيروت، بينها أقرب الجيران "كنيسة مار مطانيوس" التي أُصيبت مع أبناء رعيتها في الصّميم وحتى هذه اللحظة لم تندمل جراحهم ولو أنّ بادرة أمل تجلّت من تحت الأنقاض مع أوّل شروق شمس وعادت الحياة إلى الكنيسة الجريحة التي لم يتوقّف قلبها عن النّبض بقوّة الرّوح القدس.

عن اللّحظات المؤلمة، عن الرّجاء والأمل من قلب المأساة وعن النّهوض من المحنة وبتعاضد، نحمل الأسئلة والذكريات، نتوجّه إلى كنيسة مار أنطونيوس البادواني ونلتقي كاهن الرعيّة الّذي نجا من الكارثة وما زال يحمل ثقل صليبه وخسائر الكنيسة البشريّة والماديّة. نجلس في مكتبه المتواضع نستذكر معه آب/ أغسطس الفائت. أمامنا نافذة تطلّ من خلف جدرانها على إهراءات مرفأ بيروت المهشّمة. مع هذا المشهد أمامك طيلة الوقت لا تتوقف عن طلب الرّحمة من الله، متضرّعًا إلى القدّيس أنطونيوس سائلًا شفاعته "صلِّ عنا".

الرّجاء في قلب المأساة

3.jpg

يعود خادم الرّعيّة بالذاكرة معنا إلى يوم الإنفجار حيث غادر الكنيسة عند حوالي السّاعة الـ5 مساءً ليعود إلى منزله القريب منها ويقول "لو بقيت في الكنيسة لكنت من عدّاد الضحايا ربما. جارتي فارقت الحياة ومنزلي دمّر بشكل هائل". وبراحة يقول "خلال شهر آب/ أغسطس لا تُقام القداديس الإلهيّة مساءً عادةً في معظم كنائس بيروت ونبقي على قدّاس الصباح. لذا ولحسن الحظّ لم يكن المؤمنون متواجدون في الكنائس في تلك الساعة".

نسأله عن الأضرار الّتي لحقت بالكنيسة يرّد " تفوق الوصف على الرّغم من أنّ بناء الكنيسة قد صمد، لكن كلّ ما في داخلها لم يعد في مكانه، المقاعد طارت إلى الباحات الخارجيّة، الأبواب تخلّعت، كلّ أواني المذبح تطايرت... بالإضافة إلى دمار جسيم في القاعة في أسفل الكنيسة...".

يتابع الأبونا يُخبر عن الفرحة الكبيرة الّتي شعر بها مع أبناء الرّعيّة "لأنّ الصّليب ومجسّمات الرّوح القدس والملائكة المعلّقة على الحائط خلف المذبح لم تتضرّر وكذلك بيت القربان بقي على حاله. كما أنّ لوحة الفسيفساء لمار أنطونيوس والموضوعة على الجدار الخارجيّ والخلفيّ للكنيسة لم تمّس، علمًا أنّها مقابل المرفأ بشكل مباشر. شهد أبناء الرّعيّة علامات الرّجاء هذه على الرّغم من كلّ الدمار الّذي لحق بالكنيسة ووسط كلّ المآسي الّتي أحاطت بهم، لا سيّما وأنّها بقيت بيتهم في ظلّ كلّ ما مرّوا به".

ويضيف "الكنيسة تضرّرت ككلّ النّاس ونهضت من محنتها مثلهم أيضًا فلم تتحوّل فجأة إلى كاتدرائيّة في حين أنّ بيوتهم ما زالت مدمّرة. وإنّما عاشت كما كلّ المنازل مراحل التنظيف والتأهيل والترميم وذلك بقدر المساعدات والمبادرات المُقدّمة". يصف الواقع آنذاك "عادت الحياة إلى الكنيسة في الوقت نفسه مع الحيّ وأهله فلم تسبقهم أو تتأخّر عنهم في أي خطوة... حرص النّاس على الإهتمام بكنيستهم كي يتمكّنوا من المشاركة في القداديس الإلهيّة" لا سيّما وأنّهم تمكّنوا من الإحتفال بالقدّاس الإلهيّ في الأحد الأوّل عقب الإنفجار.

أمّا عن عمليّة الترميم فيروي الأب الكاهن "في اليوم التّالي للكارثة بدأنا بإزالة الرّكام بمساعدة متطوّعين أتوا من مختلف المناطق اللّبنانيّة، ولم نرضَ أن تتوقّف القداديس. لذا تعاون أهل الحيّ وتساعدوا لإعادة تأهيل الكنيسة وترميم الزّجاج والنّوافذ والأبواب والمذبح... بدعم من المطرانيّة، وكذلك في التنظيف وتصليح إمدادات المياه والكهرباء...". وشدّد "المؤمنون لم يتركوا كنيستهم واحتموا بها فتعزّز إيمانهم وكذلك تعلّقهم بها لأنّها بقيت الملاذ الوحيد في حين كانوا يشعرون بأنّهم مغدورون من قبل الدولة والأمن وبعض النّاس والجمعيّات الّتي لم تفِ بوعودها...".

مبادرات من أجل إنقاذ المنطقة

بقلب حزين يصف كاهن الرّعيّة واقع الحيّ " كان المشهد عنيفًا جدًا والدمار هائل في المنازل والمباني. وللأسف معظم النّاس كانوا في بيوتهم، والإصابات كانت خطرة بعضها دخل في غيبوبة...". كانت الظّروف الإنسانيّة صعبة حقًا والبؤس سيّد الموقف. لذا فعمليّة النّهوض من المأساة لم تكن سهلة واستيعاب ما جرى تطلّب وقتًا طويلًا. 

4.jpg

لكن ماذا عن المساعدات؟ وما هي المبادرات الّتي ساندت أبناء الرّعيّة وأهل الحيّ؟ يجيب "ساعدنا بعضنا البعض وتلقّينا مساعدات من مبادرات فرديّة كريمة إلى حين بدأت المنظّمات غير الحكوميّة بمهامها ميدانيًّا. في البداية كان عمل بعض هذه المنظمات جيّد جدًّا وساهم في إعادة ترميم المنازل، بينما بقيت وعود منظمات أخرى من دون تنفيذ".

الأضرار كانت جسيمة أيضًا على مستوى أثاث المنازل وكلّ ما فيها من أساسيّات كالمطابخ والحمّامات وإمدادات الكهرباء وخزّانات المياه والأدوات الكهربائيّة الضروريّة... " فقد النّاس الإمكانات الماديّة الضروريّة لإعادة تأهيلها وشرائها خصوصًا مع تفاقم الأزمة الإقتصاديّة في البلاد، إذْ لم تُنجَز حتّى الآن مرحلة الترميم هذه". ويضيف " هناك العديد من المنازل التي لم يبدأ العمل على ترميمها أصلًا، وشهدنا للأسف موجة سرقات أضيفت على المأساة الّتي أصابتنا".

يشيد كاهن الرّعيّة بعمل المتطوّعين ويشير إلى أن أكثر ما كان مميّزًا وسط كلّ ما جرى في بيروت "عاش النّاس جوًّا من التضامن والتّعاون، وهذا ما أثّر إيجابًا على الجوّ العام".حصل أهل الحيّ على حصص غذائيّةإلا أنّ عمليّة التوزيع لم تكن منظمة وعادلة تميّزت بعدم التنسيق بين المعنيّين والمستفيدين. ويشير هنا الأب الكاهن إلى أنّ "الحاجة لم تقتصر على الموادّ الغذائيّة كما أنّ كُثر من السكّان كانوا عاجزين عن إستخدامها لأنّهم خسروا الأدوات الكهربائيّة والمطبخيّة، لذا قامت الكنيسة بدور الوسيط بين المساعدين والمستفيدين خصوصًا في توزيع المبادرات الماليّة الفرديّة الّتي قٌدّمت بسخاء والّتي ساعدت العديد من العائلات في تأمين حاجاته الضروريّة". إضافةً إلى المساعدات الّتي قدّمها الجيش اللّبنانيّ.

أضرار بشريّة وتهجير

نستفسر من كاهن الرّعيّة عن الأضرار البشريّة فتبرز الغصّة والحزن يلمع في عينيه يقول "خسرت الرّعيّة عددًا كبيرًا من الضحايا وصليّنا على نفس 16 أو 17 ضحيّة إضافةً إلى المصابين الّذين تفاوتت إصاباتهم بين بليغة وخطرة". أكثر ما يؤسفه هو أنّ "الرّعيّة شهدت جرّاء الإنفجار موجة تهجير بنسبة 100%، كلّ النّاس غادروا منازلهم، وأول العائدين كان بعد شهرين من الكارثة وترميم منزله على نفقته الخاصّة".

لكن لماذا لم يعُد معظم السكّان؟ يجيب "في الأوّل من تشرين الثّاني/ نوفمبر الفائت بدأ سكّان الحيّ بالعودة إلى منازلهم ولكن بنسبة ضئيلة، فحتى اليوم لا تصل نسبة العائدين إلى 30%. أمّا الـ70% المتبقّين فمنهم من لم يرمّم منزله ومنهم من دخل في نزاع مع المالِك ومنهم من لا يريد أصلًا إجراء التأهيل اللّازم".

بين التنظيف والمآتم يروي الأب الكاهن عن حجم الألم الذي عاشه. في اليوم التالي للكارثة "فيما كنا نرفع الرّكام ونكنس الزجاج ومع كلّ الغبار الّذي غطاني لبست الجبّة وتوجّهت إلى المدافن للصّلاة على راحة نفس أحد الضحايا ومن ثمّ عدت من جديد إلى الكنيسة لمواصلة العمل... لم أعد أعرف ما أقول لبعض النّاس فبين "الحمدلله على السّلامة" لفتاة أُصيبت جرّاء الإنفجار "والله يرحم الوالدة" الّتي فارقت الحياة، كنت أضيع! كان الموقف صعبًا جدًّا".

الربّ يسوع المسيح نقطة القوّة الوحيدة

5.jpg

حتى اليوم لم تلتئم الجروح النفسيّة الّتي أصابت النّاجين، الشّهود على الكارثة، البيروتيّون وكلّ اللّبنانيّين، فالجميع ما زال تحت أثر الصّدمة وهول الكارثة وتداعياتها. فماذا عن حال النّاس النفسيّة؟ وهل تزعزع إيمانهم؟ 

يردّ كاهن رعيّة مار أنطونيوس "عصف الإنفجار بكلّ الرّعيّة لكن بقي القدّيس أنطونيوس علامة رجاء على الرّغم من كلّ الصّعوبات، فمقابل كلّ خيبات الأمل بات الإيمان بالربّ نقطة القوّة الوحيدة. إيمانيًّا وروحيًّا كان النّاس أقوياء لكنهم كانوا ضعفاء معنويًّا نتيجة الخسائر الماديّة والبشريّة الّتي شهدوها، كما بسبب الوحدة والعزلة الّتي مرّوا بها".

يضيف "على المستوى المعنويّ كُثر من النّاس بكوا بمفردهم وهم غارقون في مأساتهم، وبات الإنكسار سيّد الموقف، خصوصًا أنّهم أسفوا على الطريقة الّتي تعاملت بها الدولة مع موضوع الإنفجار والضحايا". والأكثر إيلامًا بالنّسبة لهم هو أنّ "أحدًا لم يسأل عنهم وحتّى نوّاب وفعاليّات المنطقة والمتموّلين... فخاب أملهم منهم ومن السّلطات السّياسيّة والمدنيّة...". كما باتت "حمدلله على السّلامة" العبارة الوحيدة الّتي قد تشفي غليل كُثر من النّاس الّذين كانوا وما زالوا بحاجة إلى دعم معنويّ وسط كلّ الكارثة الّتي أصابتهم.

من هنا يصف الأب الكاهن "حال الهلع الذي عاشه سكّان الحيّ إثر إندلاع حريق ثانٍ في مرفأ بيروت بعد شهر من الإنفجار، في لحظة مشابهة عاد جوّ الخوف والرّعب! فالنّاس فقدوا الأمان جرّاء الظّروف الأمنيّة المتدهورة صحيح، ويعيشون قلقًا مستمرًّا، لكن خلال القدّاس لا نخاف ولا نضطرب".

أمّا على المستوى الرّوحيّ فيقول "طالما يرى النّاس كنيستهم مدمّرة طالما يبقون في جوّ من الخوف. لذا حرصنا على إعادة الحياة إليها كي لا تكون مخصّصة فقط للمآتم والأحزان بل لنشعر من جديد بالرّجاء، فلو لم تصمد الكنيسة وتعود الحركة إلى أرجائها لكان أبناء الرعيّة من دون مرافقة روحيّة ولا رجاء".

يشدّد خادم الكنيسة "المهمّ أنّ الجماعة الكنسيّة بقيت متماسكة، فالمؤمنون عادوا إلى الصّلاة في كنيستهم حتّى أنّنا احتفلنا بأكاليل أعراس في الصّيف على الرغم من آثار الدمار. بقيت الكنيسة البيت الّذي يجمع الكلّ، حيث نجد ربّنا يسوع المسيح. وعلى الرّغم من أنّنا خُذلنا، فالربّ يسوع هو الوحيد الّذي لا يخذلنا. روح الرّجاء هي الكنائس الموجودة في الحيّ، فالنّاس حرصوا بأن يتمسّكوا بإيمانهم وإنتمائهم الكنسيّ، لذا كان الهروب نحو بيت اللّه وليس منه".

العبور من الموت إلى الحياة

عقب مرور عام على الإنفجار المشؤوم، يقول كاهن الرّعيّة وبأمل كبير "تبقى كلمة "الصّمود" سيّدة الموقف. صمد النّاس في وجه الإنفجار وتداعياته الفاجعة. صمد كُثر من السكّان وقرّروا البقاء في حيّهم الّذي ولدوا وعاشوا فيه ولسان حالهم "بدنا نضلّ، ما بدنا نفلّ". صحيح أنّ إرادتهم قويّة لكن الحرب عليهم قويّة أيضًا وعلى المستويات كافّة فالهزيمة ما زالت تلوح في الأفق".

يختم "لجأ المؤمنون بشكل كبير إلى الكنيسة للمشاركة في القداديس الإلهيّة والخدمة الكنسيّة، متمسّكين بالرّجاء مع الله الّذي بات مصدر قوّتهم.إختبار ما جرى صعب جدًّا، ما زلنا نحتاج إلى الكثير من الوقت لتخطّي هذه المرحلة الصّعبة وإستيعاب ما جرى والتخطيط للمستقبل. لم يُشف النّاس معنويًّا وإجتماعيًّا وسياسيًّا وأمنيًّا... وليس من السّهل أن ننسى ما حصل”.

قصّص وحكايات: "تغيّرت كلّ حياتنا"

عن المتضرّرين من أبناء الرّعيّة ومأساتهم يخبر الأبونا عن روايات كثيرة ولدت من تحت الرّدم والرّماد. حكايات قد تُروى لأجيال وأجيال وتخلّد ذكرى الكارثة إلى أبد الأبدين.

 أردنا أن نسمعها منهم. هل الوجع ما زال عميقًا؟ وهل من أمل متبقٍّ في مستقبل البلد؟ ننتقل إلى إحدى المباني مقابل الكنيسة، منزل السيّدة تيريز صالح ومعها صديقتها السيّدة نجوى حايك.

السيّدة تيريز صالح

السيّدة تيريز صالح

تطارد السيّدة تيريز ذكريات مؤلمة مذّ ذاك اليوم المشؤوم وتروي "يوم الإنفجار كنّا في المنزل، سمعنا أوّلًا صوتًا قويًّا ورأينا النّار تندلع من مرفأ بيروت ولاحظنا طائرة تحلّق فوقه. على إثر وقوع الإنفجار بدأ زجاج النّوافذ يتكسّر وعلى الفور تحطّمت الأبواب والخزائن وأثاث المنزل... أمّا أنا فوقع عليّ الخشب والزّجاج... أصبت بجروح كثيرة وغطى الدمّ جسدي... كلّ ما كان حولي تحطّم وبقيت على الأرض حوالي السّاعتين ونّصف الساعة... أذكر مشهد الزّجاج في فمي وشعري وظهري... حتّى الماء الذي غطى الأرض من دون أن أعلم مصدره...".

تتابع " أذكر أيضًا صوت إبن الجيران الّذي كان يصرخ أمام مشهد الدمار "أمّي أمّي... ماتت أمّي!"، كما أصيبت العاملة الأجنبيّة في رأسها. خسرت كلّ الأدوات الكهربائيّة الّتي كنت بحاجة إليها كالبرّاد وفرن الكهرباء... دمار شامل!". وتضيف "ليلة الإنفجار لم أغادر المنزل الّذي كان يسوده الظّلام لأنّ موجة السّرقات كانت قد بدأت. لكن خلال شهر إنتهت أعمال الترميم في بيتي وعدت إليه".

على الرّغم من كلّ ما جرى تُشدّد صالح على تمسّكها بإيمانها إلّا أنّها فقدت الأمل من سلوك الحكّام ولمَ آلت إليه الظّروف، فبقلب جريح تصرُخ "مش مسموح!". بعد سنة تقول "تغيّرت نفسيّتنا بشكل كبير لم نعد كما كنّا سابقًا، لم نعد نعرف معنى الضحك والفرح في ظلّ كل هذه الضغوط التي تحيط بنا وتدخلنا في هذا اليأس الكبير".


نسأل السيّدة نجوى حايك عن تجربتها أيضًا، بحرقة وألم تجيب "لحظة وقوع الإنفجار كنت في مكان عملي في الحمرا وإبنتي في المنزل. لم نعرف بدايةً ماذا حصل. إتّصل بي إبني وطمأنني قال "لا تخافي". لكن بعد دقائق أرسلت لنا إبنة أختي رسالة صوتيّة وهي تصرخ طالبةً النجدة "دخيلكن لحقوني لحقوني، الإنفجار عنا في البيت، والدي فقد عينيه، والدتي في الأرض وأصيب زوجي". أمّا الصّدمة الأكبر فكانت حين علمت أنّ إبنتها أصيبت بشكل خطر "فبدأتُ بالرّكض من منطقة الأشرفيّة إلى البيت لإنقاذها" وفي طريقها تستذكر مشاهد الزّجاج على الأرض والدّم الملطّخ في كلّ الجهات، تروي "لم أستوعب ما جرى! كلّ ما كنت أريده هو الوصول إلى المنزل لأطمئن على إبنتي"، إبنتها لارا 43 عامًا، مديرة إداريّة لشؤون الموظّفين، مفعمة بالحركة والنّشاط.

تضيف "فور وصولي رأيتها تنزف، وعلى الفور بدأت أبحث عن سيّارة إسعاف لنقلنا إلى أيّ مستشفى. من هنا بدأت رحلة البحث عن مستشفى لإسعافها فوصلنا إلى مستشفى الجامعة الأميركيّة عند حوالي السّاعة الـ7 مساءً حيث غابت عن وعيها وتوقّف قلبها عن النّبض". هناك وبين كلّ المصابين الّذين إفترشوا الأرض صرخت "إركضوا شوفوا البنت عم تنزف عم يقشط ضغطا!". بعدها حاولوا إسعافها فعادت لوعيها لكنّها دخلت في غيبوبة وبقيت لمدّة شهرين في مستشفى الجامعة الأميركيّة ليتمّ بعدها نقلها إلى مستشفى بحنّس وهي ما زالت حتّى اليوم في الغيبوبة.

7.jpg

الصلاة مستمرة في بيت نجوى لكنّها تكشف وبصراحة أنّها فقدت إيمانها أحيانًا، "يا ربّ لماذا نحن؟ لماذا أصيبت إبنتي؟... كذلك فقدتُ بدايةً الأمل والرّجاء، لكن بعدها بدأنا بالنّذور للقدّيسين وواظبنا على الصّلاة. في كلّ مرّة كنت أشعر أنّ ابنتي ستبقى في غيبوبة أعود وأقويّ إيمانيّ من خلال الصّلاة كي أستطيع أن أتحلّى بالصّبر لأنّ الطريق أمامي صعب من دون أي أمل طبيّ".

وتضيف "سلّمتها للّه! فقدت الأمل طبيًا لذا سلّمت مصيرها لوالدة الإله. مرّت أيّام صعبة جدًّا. لم نتصوّر يومًا أن يشهد لبنان مثل هذه الكارثة". علمًا أنّ صهر نجوى فقد عينيه وأختها نجت من الموت، كما إبنة أختها وزوجها أصيبا بشكل خطير.

بحزن كبير تضيف نجوى "هيدا مِشْ نحنا"، "تغيّرت كلّ حياتنا، أنا منّي أنا في شيء غلط!". خسرت قوّتها ونشاطها المعتاد "قتلونا من جوّا! وقتلوا نفسيّتنا وروحنا ومشاعرنا! ما في شيء بضحكّنا ما في شيء بيبسطنا!". وتتساءل كيف يمكن أن نفرح ونفسيّتنا جريحة، من دون أمان، في دوّامة من الأزمات لا سيّما الإقتصاديّة؟ وتعود وتصرخ "شو هيدا! ما حدا من المسؤولين قال وينكن! عيب! وين الضمير؟".

أين الضمير؟ أين كرامة الإنسان؟ أين العدالة؟ من هو المسؤول عن مآسي أبناء بيروت؟.... أسئلة كثيرة لا بدّ من تجد من يجيب عنها ... يومًا!

دائرة التواصل والعلاقات العامة

Previous
Previous

سنة على إنفجار بيروت

Next
Next

نداء مجلس كنائس الشرق الأوسط طال 45 ألف شخص من أهالي بيروت المتضرّرين