المكتبة البابويّة المركزيّة: واجهة الكنيسة القبطيّة لكلّ العالم

حلم قداسة البابا تواضروس الثاني يؤرّخ الإرث الكنسيّ

"كانت المكتبة حلمًا يراودني منذ زمن بعيد. صحيح أن الكنائس والأديرة اليوم تضمّ مكتبات عدّة. لكن ما كنّا نفكّر به هو إنشاء مؤسّسة مركزيّة متكاملة نظهر من خلالها اهتمام الكنيسة القبطيّة بالعلم والبحث العلميّ. نشكر اللّه على هذه النعمة العظيمة. فما كان مجرّد حلم أصبح اليوم حقيقة!".

حلم قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة، بحسب كلماته، قد تحقّق وأصبح حقيقة ثقافيّة وفكريّة عظيمة في واحة من أقدس الأراضي الّتي مرّت بها العائلة المقدّسة، هنا في وادي النطرون في مصر.

 في مهد الرّهبان وأوّل تجمّع لهم في القرن الرّابع ميلاديّ، تمّ إنشاء المكتبة البابويّة، المكتبة البابويّة المركزيّة. صرح حمل التاريخ الكنسيّ الثّقافيّ والتراث الفكريّ مرسّخًا فكر الآباء وتعاليمهم، ليكون أكبر مكتبة قبطيّة في الكنيسة القبطيّة كلّها وأحدث منشآت مركز لوغوس البابويّ في دير الأنبا بيشوي في وادي النطرون، في هذه المنطقة الصحراويّة الجافّة الّتي تسهم في حفظ الكتب والمخطوطات لا سيّما القديمة منها كي لا تتعرّض للتلف جرّاء الرّطوبة. كما تشكّل المكتبة كما قال قداسة البابا تواضروس الثاني واجهة لكلّ الكنيسة أمام العالم!

محطّة ثقافيّة توقّف عندها المشاركون في الجمعيّة العامة الثانية عشرة لمجلس كنائس الشرق الأوسط حيث تسنّت لهم فرصة زيارة المكتبة خلال جولتهم التعريفيّة في مركز لوغوس البابويّ، مكان انعقاد الحدث المسكونيّ هذا، بين 16 و20 أيّار/ مايو 2022، بضيافة قداسة البابا تواضروس الثاني على رأس الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة تحت شعار "تشجّعوا! أنا هو. لا تخافوا!" (متّى 14: 27).

عبر هذه الصور والسطور ننتقل بجولة خاصّة في مكتبة الكنيسة القبطيّة، المكتبة البابويّة المركزيّة!

من الحلم إلى الحقيقة: التأسيس والإنشاء

إفتُتحت المكتبة البابويّة المركزيّة في 19 تشرين الثّاني/ نوفمبر عام 2019 خلال انعقاد المجمع المقدّس وذلك في احتفال كبير شارك فيه أعضاء المجمع. ولم يصبح حلم قداسة البابا توضروس الثاني حقيقة لولا دعم أبرشيّات الكرازة المرقسيّة والكنائس والأديرة. هذا وتمّ تأسيسها أيضًا بمساعدة من بعض أبناء الكنيسة الّذين قدّموا العديد من الكتب القديمة والجديدة، إضافةً إلى كتب وموسوعات بلغّات مختلفة منحها عدد من الشّباب القبطيّ من خارج مصر. من ناحية أخرى، أهدى بعض مطارنة وأساقفة الكنيسة أجهزة تسهم في تطوير أعمال المكتبة مثل smart video projectors و scannersوأجهزة كومبيوتر. كما تمّت الإستفادة من خبرات بعض الأديرة في مجال إدارة المكتبات مثل أديرة البراموس، وأبو مقار، ومارمينا بمريوط.

أما تصميم المكتبة فأعدّه أحد المهندسين الشّباب عبر اتّباعه الطراز المعماريّ اليونانيّ، حيث قام بتنفيذه مهندسون إنشائيّون هم في الأصل خدّام وشمامسة في الكنيسة. أمّا العمل الداخليّ فهو مستمرّ ليس فقط على صعيد الكنيسة وإنّما أيضًا عبر التعاون مع الجهات والهيئات المهتمّة بالثّقافة والتراث القبطيّ عالميًّا.

الصور التالية نُشرت على موقع المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي.

إحدى أركان المنظومة التعليميّة في الكنيسة القبطيّة: الرؤية والأهداف

سُمّيت المكتبة القبطيّة بالبابويّة كي تبقى دائمًا تحت رعاية الأب البطريرك لا سيّما نظرًا لأهميّتها ومكانتها في منظومة التعليم الكنسيّ في الكنيسة. كما أُعطي لها إسم المركزيّة لأنّها أصبحت مقرًّا رئيسًا للمعرفة بجوار عدد كبير من مكتبات الأديرة والكنائس.

يأتي دور المكتبة لتكون، بحسب قداسة البابا تواضروس الثاني، في خدمة الأنشطة المعرفيّة والأكاديميّة والدراسيّة خصوصًا المتعلّقة بالحقبة القبطيّة لأنّها جزءًا أصيلًا من مكوّنات مصر. من هنا تشكّل المكتبة البابويّة المركزيّة واحة تخلق بيئة علميّة تراثيّة للدراسات والبحوث لجميع المهتمّين بالتراث القبطيّ في مصر وكلّ أنحاء العالم. لذا تكمن الحاجة إلى مكتبة كهذه اليوم في إطار الإندماج مع الناس بكلّ حالاتهم، في آلامهم وفرحهم وثقافتهم ولغّتهم، لتشكّل مخزونًا لأسرار الحضارة المصريّة، لغّتها وآدابها وحتّى العمارة والفنون...

لكن ماذا عن أهداف المكتبة البابويّة المركزيّة؟ في الواقع تتميّز هذه المكتبة العريقة بخمسة أهداف أضاءت عليها الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة. بدايةً تسعى المكتبة إلى تعزيز الوعي المجتمعيّ بالحقبة القبطيّة لا سيّما وأنّها حقبة من تاريخ مصر والشرق الأوسط تشكّل جزءًا أصيلًا من الوجدان الحضاريّ والتراث الفكريّ وكلّ ما له علاقة بذلك من دراسات. كما تعمل المكتبة على حفظ الإنتاج المعرفيّ عن القبطيّات الصّادر من هيئات أكاديميّة معنيّة بالبحث والتوثيق أكانت الموادّ مقروءة (دراسات، موسوعات، كتب، دوريّات، صحف، مجلّات) أو مسموعة أو مرئيّة بمختلف اللّغات.

من جهّة أخرى، تهدف المكتبة إلى تكثيف البحث العلميّ في القبطيّات وما يتعلّق بها من أنشطة خاصّة بعمليّة النشر والترجمة في هذا المجال مع سائر المؤسّسات المعنيّة. هذا إضافةً إلى جمع التراث القبطيّ بأنواعه كافّة وترميمه وتوثيقه وتصنيفه بغية تسهيل عرضه وجعله متاحًا لجمهور الباحثين والدارسين في مكان واحد، وذلك بالتنسيق مع الأديرة القبطيّة والقطاعات الجغرافيّة بالكنيسة والأفراد من أصحاب المقتنيات الخاصّة. تهدف المكتبة أيضًا إلى تحفيز ودعم حلقة تبادل المعرفة وتعزيز مجتمع الباحثين محليًّا وعالميًّا في سبيل تنفيذ نموذج لمؤسّسة مصريّة ثقافيّة ناجحة ورائدة بإمكانها أن تتفاعل مع مجتمع المعلومات الحديث.

الصور التالية نُشرت على موقع المكتبة البابويّة المركزيّة.

صرح يحفظ الإرث القبطيّ: الأجزاء والأقسام

تضمّ المكتبة البابويّة المركزيّة أجزاء عدّة أُقيمت لتراعي كلّ الحاجات الثقافيّة والمتعلّقة بالدراسات والأبحاث. أوّلًا تجمع المكتبة قاعات عدّة خاصّة بالكتاب المقدّس، اللّاهوتيّات، المعارف العامّة، تاريخ المسيحيّة، الدوريّات والمراجع.

أمّا الجزء الثاني فيشمل صالات مختلفة تحفظ العديد من التحف الأثريّة والأضرحة، فمثلًا تجدون عند مدخل قاعة تاريخ المسيحيّة قطعة من الصّليب المقدّس الّذي صُلب عليه يسوع المسيح، إهداء من رئيس الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة الفرنسيّة الأنبا مرقس، عام 1975. كما يمكنكم الاطّلاع على قلّاية قداسة البابا شنودة الثالث الّتي كان يستخدمها كمركز كتابة رئيس له، إضافةً إلى بعض مقتنياته الشّخصيّة. علمًا أنّ القلّاية هذه كانت في الأرض الّتي بُنيت عليها المكتبة فاختار المهندسون عدم إزالتها. وفي الممرّ المتحفيّ، حُفظت أيضًا بعض المقتنيات والتحف الثّقافيّة والتاريخيّة والفنيّة، إلى جانب صالة الإستقبال، قاعات الإجتماعات والمحاضرات، وقاعة الأدوات الإلكترونيّة Multimedia.

يحوي الجزء الثّالث من المكتبة على ملاحق عدّة وهي بيت ضيافة للباحثين، أماكن للقراءة والبحث والإطّلاع متّصلة بشبكة الإنترنت، قاعة تضمّ جهازين للـscanner والتصوير يتمّ عبرها تحويل الكتب والمخطوطات إلى نسخ رقميّة وهي V-Shape Scanner وFlatbed Scanner، من دون أن ننسى معمل الترميم، مخازن الكتب ومكتب الإدارة.

كلّ هذه الأجزاء والأقسام هي عناصر تجسّد تاريخ من الشّهادة والقداسة، تاريخ رسّخت فيه الكنيسة القبطيّة إرثها وثقافتها وتعاليمها...

 

ومع هذه الأجزاء والأقسام نصل إلى ختام جولتنا في المكتبة البابويّة المركزيّة في مركز لوغوس البابويّ، دير الأنبا بيشوي، في وادي النطرون في مصر، حاملين زوّادة مقدّسة أبديّة "فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي" (يو 5: 39).

 دائرة التواصل والعلاقات العامة

الصور التالية نُشرت على موقع المكتبة البابويّة المركزيّة.

Previous
Previous

جولة في أنشطة دائرة الخدمة والإغاثة، مكتب بيروت، في مجلس كنائس الشرق الأوسط خلال شهر أيّار/ مايو 2022

Next
Next

فيديو - الأمين العام د. ميشال عبس يضيء على فعاليّات الجمعيّة العامة الثانية عشرة لمجلس كنائس الشرق الأوسط عبر قناة الكرازة