من أطفال بيتَ لحم الى أطفال غزة... الجريمة واحدة والضحية واحدة

رسالة الميلاد 2023 من الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط الدكتور ميشال عبس

في زمن إبادة الأطفال هذا، لا بد لنا من ان نستهل رسالتنا الميلاديةِ، في زمن المجيء، بايات من الانجيل المقدس وردت على لسان الكلمة المتجسد.

"من أعثر أحد هؤلاء الصغارَ المؤمنينَ بي، فخيرٌ له أن يُعلق في عُنُقِه حجرُ الرحى ويُغرقَ في لُجة البحر" (متى 18: 6)

"كلّما صَنعتُم شيئًا من ذلكَ لواحدٍ من إخوتي هؤلاء الصغار، فَلي قد صَنعتُموه" (مت 25: 40)

مرة أخرى يأتي ميلاد السيد المتجسد المجيد، ومِنطقتنا ترزح تحت وطأة المؤامراتِ الجيدةِ الحبكةِ، والدمارِ، والقتلِ، والتهجيرِ، وشعبنا يغرق أكثرَ فأكثر بمشاكله الحياتيةِ والوجوديةِ، ولا يرى نهايةً للنفق المظلم الذي ادخلته فيه المكائد وفقدان السيادة على الأرض والمصير.

ان الذي يجري في غزة اليوم، مترافقٌ مع الذي يجري على سائر ارض فلسطين، وبعضِ الشرق الاوسط، يفوقُ كل تصورٍ ويتخطى كل تحليل، ويجعل باقي مشاكِلِنا في المنطقةِ باهتةً امام لون الدماء التي تَسيلُ على مدارِ الساعةِ في غزة، وامام كميات الضحايا التي تحصُدُها في كل لحظة، آلةُ القتلِ ومخططاتُ الإبادة والتطهير العرقي.

يبدو للناظر الى مسار التاريخ، ان قتل الأطفال ثقافةٌ قديمةٌ لدى البعض، وولادةُ المخلص قد ترافقت مع مجازرَ طالت أطفال بيت لحم، كما تطالُ الإبادة اليوم أطفال غزة الذين يصرخون سائلين: هل سنقتل جميعاً؟

الاجرام هو، هو، والجريمة التي تُرتكب اليوم بحق أطفالٍ، لا ذنب لهم الا انهم ولدوا على ارض تستهدفها المطامع، هي نفسُها الجريمة التي ارتُكبت منذ الفين وعقدين ونيف.

وقتها كانت الإنسانية لا تزال في زمن العبودية والجهل، ولم يكن هناك لا حقوق انسان، ولا جمعيات أهلية، ولا مؤسسات دولية، ولا اعلام، ولا ادعاءات مزيفة بالديموقراطية. وقتها لم يكن هناك مفهومُ المساءلة، ولا مفهوم الإفلات من العِقاب ولا محاكم دولية، ولا قدرات تقنية متقدمة.

نحن اليوم في عصر الحريات والحقوق، في عصر المعرفة والمناقب التي تطالُ تفاصيلَ حياتنا اليومية، فأين ما يجري في غزةَ من كل هذا؟

ان تُغير طائراتٌ على أناس عزل، مدعية ان هناك جماعاتٌ مسلحةٌ بين ظهرانيهم، فهذه ذروة النفاق. ان تُدَك البيوت والمدارس والمستشفيات والمعابد على من فيها، فهذا ليس له أي تفسير الا الابادة. ان تُقصف قوافل النازحين من منطقة الى أخرى في بلادهم، فهذا لا يُفسر الا على انه إبادة. ان تُعطل مؤسسات القطاع الطبي، وان تُمنع عنه مستلزماتُ قيامه بواجباته، فهذا قتل ليس برحيم ابدا.

ما يجري اليوم لا يفسر الا انه جزء من مخططٍ مرسومٍ منذ عقودٍ، ونوايا مبيتهٍ منذ دهر، انتظر اصحابهم الفرصة السانحة لتنفيذ مأربهم.

لا يضاهي هذا القتل من دون رحمة لأطفال فلسطين، الا قَتلِ اطفالِ بيتَ لحم عند ميلاد المخلص.

كل ذلك يجري والأنظمةُ في العالم تتفرج، بينما شعوبُها تنتفضُ طالبةً العدالةَ والسلامَ للأطفال الضحايا. وتتجرأ أنظمةُ الطغيانِ هذه، ان تتشدق بقيم الديموقراطية وحقوق الانسان. اين هي من ارادات شعوبها؟

يا طغاة النفاق في العالم، الا تَقضُ مضاجعكم صورُ اكفانِ أطفالِ غزة؟ الا تمزق ضمائركم أصوات استغاثتهم من تحت أنقاض بيوتهم التي دكتها آلات الحرب التي تصنعون؟ الم تصفَعُكم صورُ الاجنة الذين قضوا في اسرّةِ المستشفياتِ المدمرة؟ هل نسيتم ما فعلتموه بأطفال لبنان والشام والعراق، هذه المجتمعات التي برعتم في اختراع الحِجَجِ الواهية لتدميرها؟ هل عندَكم سجل بالضحايا التي انتجتها مصالحُكم، الضحايا الذين سخرتموهم من شعوبكم لقتل شعوبنا؟

الى متى سوف يستمر هذا الجنون؟ الم تشبع هذه الجماعات دماً وضحايا؟

حيث فشلت القوى السائدة في عالمنا، الا ليعطنا الرب من نعمته لنقابل الشر باتساع القلب في نضوج الحب. وكما يقول القديس الأب يوسف المتوحد: "بلطفنا نقهر غضبهم.... الإنسانُ الضعيفُ لا يَقدرُ أن يُعين الضعيف، ولا من يعاني أمرًا، يقدر أن يشفيَ عليلًا مثله. أما من كان غير خاضع للضعف، بل متسلحا بضعف القوي، فهذا يستطيع أن يقدم علاجًا للضعيف".

مجيدةٌ هي شهادتُكم يا أطفالَ غزةَ، مجيدٌ هو رُقادُكم في كنف الرحمن، مجيدةٌ هي قيامتُكم، لأننا أبناءُ القيامة، واعلموا ان أطفالنا وأطفالُ العالم، يعيشون معكم معاناتُكم ويتألمون لألأمكم، وكونوا واثقين ان من أزهق ارواحَكم سوف تلاحقه لعنةُ الإنسانيةِ حتى يوم القيامة.

رُغم دَوي القنابل، رُغم القتل، رُغم الترويع، نقول لكم ميلادُ السيدِ مجيدٌ، ويبقى مجيداً الى ابدِ الدهر، وقد مجّد بميلاده كلَ طفلٍ يلد في هذا العالم، خصوصا حيث ولد هو، في الأراضي المقدسة، يوم رسم للإنسانية طريقاً جديدةً، وجعل منا جميعا ابناءً للحياة.

ميلاد مجيد

Previous
Previous

الأمين العام د. ميشال عبس ووفد من مجلس كنائس الشرق الأوسط في زيارة إلى قداسة الكاثوليكوس آرام الأوّل

Next
Next

رسائل رجائية في زمن الميلاد