مناجاة الرب من اجل الانسان

ألقى الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط د. ميشال عبس الجزء الأكبر من هذه المقالة في افتتاح الحدث المسكوني الموسيقي "بيروت 2024"، الّذي عُقد لمناسبة أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين والسنة الخمسين لتأسيس مجلس كنائس الشرق الأوسط، يوم السبت 20 كانون الثاني/ يناير 2024، في الفوروم دو بيروت.

د. ميشال أ. عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

"لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ»."(مت 18: 20).

أيها المخلص،

نحن المجتمعون هاهنا، باسمك وببركتك، نحن بيعتك، نحن أكثر من اثنين او ثلاثة، لذلك انت في وسطنا.

نحن جماعة مؤمنة، أتت غفيرة، ترنم لملكوتك وتستلهم محبتك التي غَلّفَت مسارك وكرازتك وصلبك وقيامتك، من اجل حياة جديدة لبني البشر.

أيها الكلمة المتجسد، المسيح الحي، اجتمعنا نحن أبناء المنطقة، حيث تجسدت وحيث كانت بدايات الرسالة، المنطقة التي تعصف بها المطامع والكراهية وتعيش ازمنة قد تكون أسوأ ما عاشته في تاريخها القديم والحديث.

من جميع مناطق لبنان، وقف الرب، اتينا اليك، كما من مجتمعات الجوار، نعلن اننا واحد، لان الرب واحد، والكنيسة واحدة، والمؤمنون واحد، وان ايماننا ومحبتنا هما في خدمة الانسان، كل انسان، أي انسان، لكي تكون له حياة، وليكون له أفضل، كما اردت برسالتك الخلاصية للجنس البشري.

أيها العصي على الفناء، كنيستك ما زالت بعد الفين، صلبة عصية على اللي، تشهد على رسالتك، وتطرح التحديات على ذوي النفوس الامارة بالسوء، لمن ضلوا سواء السبيل ويتوسلون الظلم والقهر ضد اخوتهم في الدين او في الإنسانية. كنيستك ما زالت منبع القيم وبيتا للإنسانية، تشهد على ذلك المؤسسات التي انبثقت منها، مساهِمة في تطوير المجتمع والحضارة، وفي الهام الثقافة والفنون.

كنيستك مجتمعة في مؤسسة هي في عيد تأسيسها الخمسين، يوم عُمدت في أيار/مايو 1974 باسم مجلس كنائس الشرق الأوسط، في قبرص، بعد مخاض بدأ منذ سنة 1929، مجلس يضم كل كنائس المنطقة، موزعة على اسر أربعة، اعتمدت الخيار المسكوني ووضعت يدها معا على المحراث متخطية الفروقات التي تصبح باهتة امام آلام الصلب ونور القيامة.

“في تمام اليوم الخمسين، كانوا كلهم معا، في مكان واحد”، هو الآية-الشعار الذي اعتمده المجلس لسنته الخمسين، وهو لا يعود الى البدايات، بل يذكر بها، ويستلهمها، من اجل تطلعات نحو مستقبل مسيحي مشترك، قائم على الوحدة بين المسيحيين كما مع سائر مكونات المجتمع. اننا نستلهم ايضاً الآية التي ورد فيها ان "وَتُقَدِّسُونَ السَّنَةَ الْخَمْسِينَ، وَتُنَادُونَ بِالْعِتْقِ فِي الأَرْضِ لِجَمِيعِ سُكَّانِهَا. تَكُونُ لَكُمْ يُوبِيلًا..."

السنة الخمسون من عمر المجلس، سوف تزخر بالنشاطات الروحية والثقافية والفكرية والفنية، موزعة على بلدان الشرق الأوسط، وامسيتنا الانشادية الروحية المباركة، الليلة، أردناها باكورة النشاطات التي تتزامن أيضا مع أسبوع الصلاة من اجل وحدة المسيحيين. سوف تشهد السنة الخمسين للمجلس ندوات ومحاضرات وامسيات إنشاديه، ومؤتمرات دولية، ومنشورات جديدة، وغيرها من وسائل نشر الروح المسيحية المشتركة، كما سوف تستمر حتى بداية السنة ال 1700 لمجمع نيقية في العام القادم.

امسيتنا الروحية المسكونية الليلة، هي نتاج الروح القدس، تجسد عبر وسائل إنسانية هادفة، عبر مؤمنين، عملوا بإصرار وعزم، من اجل تحقيق هذا الحدث الموسيقي المسكوني. لن ندخل في تعداد وسائل الروح القدس، والمؤمنون هم وسائله، فالنتائج هي امامكم، والجهود الجبارة التي ساهمت في جعل هذا العمل ممكنا، قد أتت ثمارها وسوف يُكتب عنها الكثير، كما سوف تكون هذه الامسية نموذجا يحتذى في سنوات ستلي.

هذا الحدث الليلة هو مسكوني نموذجي، اذ يجمع كنيسة المسيح الواحدة الاحدة، في تسبيح وتمجيد الرب، باري الخليقة، انطلاقا من لغات وثقافات متعددة، تعبر عن التنوع والغنى الثقافيين الذين يزخر بهم الشرق الأوسط، محولين الفروقات الى تكامل والاختلاف الى تضامن. لا يستغربن أحد ان هذه الجوقة المباركة تنطق بألسنة متعددة، فهي ممتلئة من الروح القدس الذي أعطاها ان تنطق هكذا، كما حدث يوم العنصرة.

سوف يكون انشادنا الليلة صاعدا الى السماء، بقوة الروح التي تجمعنا، وسوف يكون، في هذه المنطقة الشديدة الاضطراب الى حد النكبة، اقوى من صراخ الحاقدين وقتلة الانسان، واعلى من دوي قنابلهم، هؤلاء الذين لا يرحمون من هم أضعف منهم ولا يعترفون بحقهم في الحياة.

تأتي الليلة الانشادية المسكونية مع أسبوع الصلاة من اجل الوحدة، وهو تقليد اُطلق سنة 1908 وأصبح ثقافة وجزءا من الروزنامة الكنسية السنوية، في لبنان كما في سائر دول المنطقة والعالم.

من عليائك تطلع، أيها السيد الازلي الابدي، الى الكرمة التي زرعتها يمينك، وباركها، فهي قد أصبحت وارفة الظلال حتى لتغطي المعمورة وتختصر الزمن الجلي، وهي صامدة الى ابد الدهر، متجددة، كالحياة.

امنحها الصبر والقدرة على مداواة الأحقاد والعقوق المستشرين في العالم، والذين يحاولون محاصرتها بهم، خصوصا من كانت أساسا لحضارتهم وتنكروا لها،

ساعدها على ارشاد واحتضان مجموعات أكبر من الناس التي تتوق الى الحرية والكرامة، الى العدل والسلام،

وانت عارف ان أبواب الجحيم لن تقوى عليها.

Previous
Previous

فَصارَتْ ثيابُهُ تلمَعُ بِبَياضٍ ناصِعٍ

Next
Next

فيديو – إضاءة على خدمة الصلاة الإفتتاحيّة لأسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين في كنيسة القدّيس جاورجيوس للكنيسة الشرقيّة الآشوريّة الأرثوذكسيّة في سدّ البوشريّة، لبنان