المساحات الدينية المشتركة في الشرق الأوسط

ألقى الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط هذه الكلمة في الطاولة المستديرة الّتي عقدها المجلس بعنوان "المساحات الدينيّة المشتركة في الشرق الأوسط، عيد البشارة في لبنان نموذجًا". وذلك ضمن فعاليّات السنة الخمسين لتأسيس مجلس كنائس الشرق الأوسط، يوم السبت 23 آذار/ مارس 2024، في مكاتب الأمانة العامة للمجلس في بيروت وعن بُعد.

د. ميشال أ. عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

في خضم الصراعات والنزاعات، وصولا الى خطاب الكراهية أحيانا، الذي يتضمن انتقادات متبادلة على صعيد المعتقد الديني، ننسى كم نحن متشابهون وكم من أمور مشتركة تجمعنا، تفيض على ما يفرقنا، وتثبت اننا شعوب قد عاشت مع بعضها البعض، على ارض واحدة، تحت سماء واحدة، تنشقت نفس الهواء وشربت نفس المياه، وتبادلت الكثير من الأفكار والاقوال وتفاعلت بنفس القيم، واشتركت بنفس التطلعات، واهم من ذلك كله، تنتمي الى نفس الوطن، وتاليا، فإنها تشترك بنفس المصير.

نحن في منطقتنا، في بلادنا، ننتمي الى اديان مختلفة، كما هي حال العالم اليوم، وإذا شكل الدين عنصر تمييز وانقسام، فذلك يعني اننا امة مهيئة للانشطار في اية لحظة، او عند أي منعطف سياسي، ويمكننا ان نضيف، بكل سهولة، عنصر الانقسام الاثني او العرقي، الى الانقسام الديني.

هذا في الظاهر الاجتماعي والسياسي.

ولكننا إذا تبحرنا في بنانا الثقافية، وفي تركيبتنا الذهنية والقيمية، ايقنا انه، في نفس المجال هذا الذي يمكنه ان يكون سبب انقسامنا، هناك ما يجمعنا، وبعمق، ولكننا لا نعيه، لذلك لا نعرف قيمته ولا نعتمده كمنطق تعامل يجمع بدل ان يقسم.

على الصعيد الديني البحت، أي على صعيد العقيدة الدينية، ورغم وجود خلافات أساسية بين مختلف المعتقدات، لا بد لنا ان نسطر وجود أمورا مشتركة تجمع، وبشدة، الناس، وهي تصب في عمق ايمانهم.

لقد اتخذنا عنوانا فرعيا لهذه الندوة، هو "عيد البشارة في لبنان نموذجا" وقد تحول هذا العيد من يوم وطني الى عيد وطني، وأصبح مقبولا من الجميع، بعد ان علت في البداية بعض أصوات الاعتراض. لقد أصبح هذا اليوم الجامع، يوم بشر الملاك مريم بالمتجسد، كما ورد في الانجيل والقرأن، يوما وطنيا لجميع اللبنانيين، انطلاقا من نصوص كتابية يعرفها القاصي والداني، ويمكن مراجعتها بسهولة في كتبنا الايمانية.

هل تظنون ان المساحة المشتركة بين الأديان تقتصر فقط على هذه المناسبة؟ هل قرأتم ما ورد في القرأن الكريم حول السيد المسيح وحول السيدة مريم والتكريم الذي يحظيان به؟ هل قرأتم عن الروح القدس؟ هل استطلعتم القيم المشتركة الواردة في الكتابين الكريمين؟

هذا على الصعيد الديني، ولو اردت التوسع بالموضوع لكنت اكتب مطولات.

اما على الصعيد الديني-الاجتماعي، أي على الصعيد الثقافي، فان اللائحة تطول اكثر.

ان المشاهدات اليومية تظهر كم ان اللبنانيين والشعوب العربية، قد عاشت تناضجا دينيا-اجتماعيا على الكثير من الصعد، وقد انتجت، في هذا السياق، عقلية جديدة مفادها انه لا يمكنني تكفير الأخر بما هو متناقض مع ايماني، لان ذلك يهدد السلم الأهلي ويدمر المجتمع، وهذا ما ليس في مصلحة أحد، لذلك يتعين علي ان احترم ما يؤمن به شرط ان لا يفرضه علي ولا يعتمده من اجل تدمير حياتنا المشتركة.

مقابل ذلك، يمكنني ان اتفاعل معه فيما هو مشترك من الأساس، او ما قد ينمو نتيجةً للاشتراك في الحياة، في بوتقة تفاعل قد استمرت لقرون او أكثر.

الشواهد في حياتنا اليومية كثيرة ولا عد لها ولا حصر، وإننا نكتشف كل يوم، نحن الباحثين في علم الاجتماع والانتروبولوجيا، ظواهر جديدة.

هل سمعتم بظاهرة الاخوة بالرضاعة؟ هل تعلمون كم من غير المسيحيين يقيمون في منزلهم مغارة او شجرة الميلاد؟ هل تعلمون كم من الأطفال من غير المسيحيين يشتركون بزياح الشعانين؟ هل تعلمون كم من المسلمين يحضرون صلاة الهجمة تضامنا ومحبة مع أبناء قراهم او احيائهم المسيحيين؟ هل تعلمون كم من المسيحيين يحبون شهر رمضان ويشتركون به مع المسلمين؟ هل تعلمون كم من القرى يحضر أهلها حلويات عيد شركائهم في القرية الذين ليسوا من دينهم؟ هل تعلمون قصة الشيخ من حاصبيا الذي رفض تقاضي ثمن نقلة البحص لترميم الكنيسة لأنه لا يتقاضى مال وقف؟ هل تعلمون كم من غير المسيحيين يقيمون النذور ويتعبدون لقديسين مسيحيين؟ هل تعلمون انه، في العديد من قرى شمال بلاد الشام، يرسمون اشارة الصليب على العجين قبل خبزه؟ هل تعلمون كم من اهل وسط بيروت كانوا يؤمون مزار سيدة النورية، في السوق المسمى على اسمها، للصلاة وتقديم التبرعات ويقفون امام ايقونتها؟ هل تعلمون كم من اهل البقاع المسيحيين قد نذروا أولادهم الى السيدة زينب في دمشق؟ هل تعلمون كم من الناس، من الدينين يحفظون نصوصا من كتاب الدين الاخر، من الانجيل والقرأن ونهج البلاغة؟ هل قرأتم الاشعار التي كتبها شعراء او شاعرات مسلمون عن المسيح؟ هل قرأتم كتاب الدكتور ادمون رباط عن الرسول العربي، او كتاب أخرون عن الامام علي؟ هل سمعتم بمحمود زيباوي كاتب الايقونات؟ هل قرأتم النص العربي الذي كتبه خطاط لبناني مسلم من أل البابا من صيدا في سقف قبة الكنيسة البولسية في حريصا؟ هل تعلمون ان قصة لجوء العائلة المقدسة الى مصر هي ثقافة وطنية، كما المغطس حيث اعتمد السيد المسيح في الأردن، كما سبيل اهتداء الرسول بولس في الشام؟ هل رأيتم كيف يحج المسلمون الى دير  سيدة صيدنايا وكنيسة سيدة حريصا او الى كنيسة سيدة مغدوشة او الى دير القديس جاورجيوس في عيدمون وغيرهم؟ هل تعلمون كم من الاسر تحتفظ بكتاب الدين الأخر في بيتها؟ وأخيرا وليس أخرا، هل تعرفون عدد الاسر المختلطة دينيا وعدد أولادها؟ الا يشكل جيل الأولاد هذا مساحة حية مشتركة بين الأديان؟ هذا غيض من فيض واللائحة تطول.

هذا هو الوضع الطبيعي للبشر السويين، الذين لا يستطيع المصطادين بالماء العكر ومصاصي دماء الشعوب بإخافتهم من بعضهم البعض. هذا التناضج هو نتيجة حياة طبيعية مستقرة يتفاعل الناس خلالها ويأخذون من بعضهم العادات والتقاليد والقيم والتطلعات، دون ان يؤثر ذلك على ايمان هذا او ذاك.

هذه هي المساحات التي نتوخى الكلام عنها في هذه الندوة وفي ندوات لاحقة، سوف تكون حضورية، متابعة لهذا الموضوع الذي نعتبره ذو أهمية قصوى في تقريب الناس من بعضها، او على الأقل، لجم فكر او خطاب الكراهية بينها. ان هذا العمل سوف يجعل الناس تعي ما هو المشترك بينها كما سوف توقن كم ان الانقسام والتنابذ هم جريمة بحق الامة والمجتمع... بحق الأجيال التي لم تولد بعد!

اننا نراهن على فكر المشتركين ومحبتهم لوطنهم ومجتمعهم، من اجل استنباط الأفكار الناجعة التي تساهم في تعميم الوعي وتحصين المجتمع ضد الفتنة التي قد تبيتها له قوى خارجية او داخلية تسعى الى تمزيقه من اجل السيطرة عليه ونهب موارده.

ان المؤمن الحق ليس انسانا متعصبا، لا بل انه يجعل معتقده الديني وسيلة لمحبة الاخر، والعطف عليه، واحتضانه، ومساعدته، دون النظر الى هويته الدينية او العرقية، تماما كما فعل السامري الصالح، وهكذا يكون الأقرب الى الله لأنه كان الانفع لعياله.

Previous
Previous

فصح مجيد

Next
Next

فيديو - إنطلاق برنامج "مسكونيّات" لمناسبة السنة الخمسين لتأسيس مجلس كنائس الشرق الأوسط بالشراكة مع قناة تيلي لوميار ونورسات