الحوار والتماسك الاجتماعي في المجلس
نحو تطبيق جديد للمسكونية
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
منذ تأسيسه، طبع الحوار والتماسك الاجتماعي هوية وثقافة واستراتيجية مجلس كنائس الشرق الأوسط وحدد مسار عمله.
الحوار هو علة وجود المجلس، اذ انه، وبحكم كونه بيئة حوار وعمل بين الكنائس، يشكل الإطار الضامن للتقريب بينها على شتى الصعد. هو بذلك قام بدور المؤهل للعلاقات السوية بينها، لقبول بعضها البعض رغم اختلاف لاهوتها، وليتورجيتها وثقافاتها الوطنية المختلفة.
انطلاقا من هاجس السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي، القائمين على المنطق الذي يرحب بالتمايز ويحترمه، وهذا هو الاساس الذي شيدت عليه المسكونية، يتحول المجلس الى بيئة تقارب بين الجماعات المختلفة التي تشكل مجتمعاتنا، ويستحيل موئل تقارب ومصالحة بين ناس هذه المنطقة.
دينامية عمل مجلس كنائس الشرق الأوسط تشمل جميع فئات المجتمع في منطقتنا، وهو محاور أساس ورئيس معها وفيما بينها، خصوصا انه محاور شفاف وصادق، لا يقول عكس ما يضمر، ويقرن القول بالفعل، وذلك من منطلق "عقيدة" اجتماعية، مستندة الى القيم السلوكية التي عمل بموجبها، وكرز بها السيد المسيح.
يمكننا أيضا ان نؤكد، ان المجلس لا يمارس عمل التقارب والحوار حصرا على الصعيد النخبوي، انما نجح في تجسيد هذه الثقافة الحوارية على الصعيد الشعبي، على صعيد الناس، وذلك عبر عمله في مجالات الإغاثة والتنمية من دون أدنى تمييز، وانطلاقا من معاناة الفئات المتضررة في مجتمعاتنا.
انطلاقا من هذه الوقائع، ليس بمستغرب ان يكون المجلس شريكا رئيسيا في تأسيس اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار في لبنان، او ان يكون من المبادرين الى إطلاق أنشطة تهدف الى التماسك الاجتماعي، عبر التفاعل والحوار.
في المرحلة الراهنة، يندرج عملنا في الحوار والمصالحة تحت الأبواب التالية من ضمن دائرة خاصة قيد الانشاء تهتم بالحوار والتماسك الاجتماعي وتأهيل الكرامة الإنسانية ومنظومة القيم والرأسمال الاجتماعي:
1- المساحات الدينية المشتركة في الشرق الأوسط
بدأ هذا البرنامج مع تعيين عيد البشارة في لبنان عيدا وطنيا، بمبادرة من اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار، حيث تجمع الأديان على اعتبار بشارة مريم معتقدا مشتركا بينها، فكان ان أطلقنا هذا البرنامج عبر ندوة جامعة بمناسبة عيد البشارة في العام الماضي.
سوف نتعامل في هذا البرنامج مع ابعاد أخرى تطال مساحات دينية تحولت الى مجالات وطنية وما اكثرها في المنطقة. يشمل البرنامج أيضا الأنشطة والتقاليد الدينية التي أصبحت مشتركة بين الناس، يمارسونها بعفوية ومن دون اية مواقف مسبقة.
2- محاربة الأبلسة وخطاب الكراهية
تتعالى في الشرق الاوسط أصوات تشير الى أبلسة الجماعة لبعضها البعض وذلك بسبب الاضطرابات السياسية والاجتماعية والتراجع الاقتصادي الذي تعيشه المنطقة.
بناء على ذلك، أطلقنا برنامجا اسميناه "محاربة الأبلسة وخطاب الكراهية" وذلك منعا لانتشار هذه الثقافة في أوساط شعوبنا في الشرق الأوسط، اذ ان الأبلسة وخطاب الكراهية سوف يطالون الجميع، مما سوف يؤدي الى قلاقل داخلية لا تنتهي. في هذا المشروع نتوخى ان نكون شركاء مع اية مراجع حكومية توافق على هذا العمل.
3- المجتمع معرفة
نهدف الى التثقيف والتوعية الشعبية على المفاهيم الأساسية عبر برنامج اعلامي توعوي، ننشر وننتقد عبره المفاهيم الهدامة والخطرة التي، اذا تفاعلت في عقول الناس، سوف تقود الى تشرذم اجتماعي. مقابل ذلك، نقوم بنشر المفاهيم التي تؤدي الى وعي ضرورة التآخي بين الناس، والاحترام المتبادل، وقبول التمايز واحترامه، والتوق الى الوحدة الاجتماعية، وكافة المفاهيم التي تؤدي الى التضامن الاجتماعي.
4- سباقون في الاخوة الإنسانية
تاريخ المنطقة حافل بالأمثلة حول التآخي بين الناس، وحماية الناس لبعضها البعض في الملمات، وسِيَر الرواد في هذا المجال كثيرة ولا بد من الإضاءة عليها لكي تكون مثالا يقتدى ولكي يشير للامة ان ما يجمع فئاتها الاجتماعية اكثر مما يفرقها.
سوف نقيم ندوات حول احداث وابطال في الاخوة الإنسانية، وأول من هم على اللائحة هو الحسين بن علي الهاشمي، شريف مكة، في رسالته الى الجيوش العربية المرابطة في الشمال السوري من اجل حماية اللاجئين الأرمن والسريان الناجين من المجازر في بداية القرن العشرين. لقد قمنا بتحضير مشروع مؤتمر حول هذا الانسان الملهم والراقي، وهذا المشروع هو قيد البلورة.
5- إطلاق شبكة تنسيق هيئات الحوار
تكثر المطالبة بإنشاء هيئة تنسيقية للمؤسسات التي تتعاطى الحوار، وهي قد ازدادت مؤخرا بشكل كبير في الشرق الأوسط، عبر مبادرات قام بها أناس نيرون، وعوا أهمية تحصين المجتمع عبر الحوار. لقد قمنا ببعض الاتصالات من اجل انشاء هيئات تنسيقية لمؤسسات الحوار وذلك من اجل رفع قدراتها على الصعيد الشعبي لان المطلوب هو تعميم ثقافة الحوار على الناس وليس فقط حصرها في أوساط نخب المجتمع. هذا العمل ما زال في بداياته ولكن ردود فعل المعنيين واعدة.
من الجدير ان نذكر ان كل هذه البرامج هي ذات طابع إقليمي ما استطعنا الى ذلك سبيلا، ولكن التطبيق يبقى رهن الموارد المالية التي سوف ترصد لهذه البرامج. في غياب توفر التمويل الكافي لها، نحن نعتمد على الاعلام، رغم قناعتنا بضرورة عقد المؤتمرات والندوات الدولية، والقيام بالدراسات الميدانية لذلك.
هذا هو المشهد الحواري في مجلس كنائس الشرق الأوسط، حيث نعتبر ان الحوار هو غاية بحد ذاته وان كان قد اعتبر وسيلة في الاساس.
لقد شهد مفهوم المسكونية في المجلس توسعا عفويا، ميدانيا، حيث انه، بعد ان كان يشمل حصرا المسيحيين على مختلف انتماءاتهم، أصبح يشمل جميع من في المسكونة، هؤلاء الذين من اجلهم تجسد السيد، من اجل خلاصهم ومن اجل ان تكون لهم حياة أفضل.