المسكونية، وقفة تأملية خلال مسار طويل

English

ألقى الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس هذه الكلمة في خدمة الصلاة المسكونيّة الّتي أُقيمت لمناسبة اختتام "أسبوع الصلاة من اجل وحدة المسيحيّين"، يوم الأحد 25 كانون الثاني/ يناير 2026، في كاتدرائيّة الملاك رافائيل الكلدانيّة، بعبدا – لبنان.

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

نختتم اليوم صلوات أسبوع الوحدة في كاتدرائية القديس روفائيل الكلدانية، وهي كنيسة من الشهداء أيضاً، كما كنيسة مار افرام السرياني، التي صلينا فيها منذ يومين، وكما كاتدرائية مار غريغوريوس المنور في كاثوليكوسية الأرمن لبيت كيليكيا الكبير، التي افتتحنا فيها أسبوع الصلاة. وكأن الدم وسيلتنا، والشهادة قدرنا، نبذل حياتنا دفاعا عن بني البشر وسبيلا لخلاصهم. ان ازكى الشهادات هي شهادة الدم.

نصلي اليوم في حضرة روح مار آداي ومار ماري، أوائل القديسين والمبشرين في كنيسة المشرق، خلال القرن الأول الميلادي، وهما مؤسسي الكنيسة في بيث نهرين (بلاد النهرين) وفارس. مار آداي هو أحد التلاميذ الـ 72 الذين أرسلهم توما الرسول إلى الرها (اورفا)، وهو اول أسقف عليها، بينما مار ماري هو تلميذه الذي واصل التبشير في مناطق بيث نهرين، العراق الحالي، وهو مؤسس الكنيسة في الموصل. هما يشتركان في قداس واحد شهيريعرف بقداس "آداي وماري" وهو واحد من أقدم القداديس المسيحية التي لا تزال مستخدمة في الكنائس الكلدانية والآشورية.

نصلي اليوم برعاية الراعي النشيط للأبرشية المباركة، ومع فريق الأبرشية، وقد أصبح عمرها قرن ونصف من الزمن، ونشكر استضافتهم، ونثني على جهودهم في احتضان موجات النزوح التي كانت تأتي تباعا لعقود خلت، ويقيني انها مستمرة حتى اليوم، ولكن بوتيرة اقل، نظرا للتراجع الكمي لأهل الكنيسة في بلادها الاصلية.

في ختام الأسبوع المئة والثمانية عشرة للصلاة من اجل الوحدة، يتوجب علينا ان نقف وقفة تأمل في هذا المسار، في محاولة لعرض ملامح تقييم له، خصوصا اننا ما زلنا نسمع الانتقادات تكال له، كما ان هناك من يرفضه من أساسه، ولكل رأيه، وكل رأي علمي هو محترم، على ان يرِد بالوسائل الحضارية المقبولة.

لقد مضى على انطلاق الحركة المسكونية أكثر من قرن، تلك المبادرة التي ظهرت في بداية القرن العشرين، والتي هدفت إلى تعزيز الوحدة والتعاون والتفاهم بين مختلف الطوائف والمذاهب المسيحية، انطلاقًا من الرغبة في تحقيق صلاة يسوع من أجل الوحدة "لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي"  (يوحنا 17: 21).

تطلق بعض الادبيات على المسكونية التي نعرفها تسمية "المسكونية الكلاسيكية"، او مسكونية حركة القرن العشرين، ويعتبرون انها قد سعت إلى وحدة مرئية بين الكنائس، والبعض قد تكلم عن، وحلم بوحدة مؤسسية تضم كنائس المسكونة قاطبة.

الجدير ذكره انه بحكم التوجه الأساسي للمسكونية، فقد كان هناك تركيز لاهوتي حيث سعت هذه الحركة إلى استعادة "الروح الرسولية للكنيسة الأولى" للوحدة في التنوع.

خلال هذا المسار الذي استمر لأكثر من قرن، كان التحدي الأساسي يكمن في الاختلاف في المناهج والمقاربات، اذ بينما تُعطي بعض المذاهب الأولوية للاتفاق العقائدي، وتعتبره شرطا أساسيا لا يمكن تجاوزه من اجل الوصول الى الوحدة، تُشدد مذاهب أخرى على التعاون العملي في شتى المجالات، وهنا تكمن جذور النيومسكونية.

هذا يعني ان التحدي الناتج عن التحدي الأول يكمن في اختلاف الرؤى حول السلطة، والأسرار، والخدمة الكنسية، أي الاختلافات العقائدية. لقد تقدم الحوار بين الكنائس حول هذا الامر، ولكن الطريق ما زال طويلا امام تذليل العقبات العقائدية.

خلال مسارها الذي استمر لهذه الفترة الطويلة، كان الأسلوب الأساس المعتمد من قبل الحركة للوصول الى الهدف المنشود هو الحوار، تضاف اليه أنشطة مثل العبادة المشتركة، الصلوات المسكونية، واهمها أسبوع الوحدة وموسم الخليقة، والعمل الاجتماعي المشترك، والمناقشات اللاهوتية.

وقد ذهب البعض الى اعتبار ان الميزة التفاضلية للحركة المسكونية تكمن في هذه المجالات، وان الخدمة الاجتماعية أضحت بدلا عن ضائع نظرا لعدم التقدم في مجالات أخرى.

في هذا السياق، يرى المهتمون أن الحركة المسكونية قد تعطلت جزئيا على ضوء تباطأ التقدم في القضايا الأساسية، وعمدت الى تغيير تركيزها باتجاه المقاربة العملية التي أدت تدريجيا الى النيومسكونية.

ويعتبر مهتمون أخر ان التطور في دينامية الحركة المسكونية يمكن في انتقالها من تفاؤل أولي، كان في بعض الأحيان مثالياً، إلى نهج أكثر براغماتية وحذرًا وطويل الأمد نحو الوحدة، مرورا بتدابير وحدوية على صعيد الأمور العملية.

إذا كان لا بد لنا من التوقف وتأمل الماضي في إنجازاته ونواقصه، يمكننا القول ان هذه الحركة قد قامت بإنجازات أساسية، اذ هي التي وضعت الأساس ومهدت الطريق لاستدامة الحوار والتعاون بين الكنائس. كما أدت الى بعض عمليات الاندماج بين كنائس في أماكن متفرقة من العالم.

لقد تمت هذه الإنجازات رغم الاختلافات في الرؤى الكنسية والسلطوية التي حالت دون تحقيق وحدة كاملة.

الجدير ذكره في هذا السياق هو ان المشاركة الكاثوليكية كانت ذات تأثير عميق رغم أنها ليست عضوًا في مجلس الكنائس العالمي، وهي رسميًا في الحوار المسكوني، لا سيما منذ المجمع الفاتيكاني الثاني. لا بد لنا أيضا من ان نلفت النظر الى ان مجلس كنائس الشرق الأوسط هو من بين مجالس الكنائس القليلة في العالم الذي يضم الى عضويته عائلة الكنائس الكاثوليكية منذ العام 1990.

اما المسكونية الجديدة (أو المعاصرة) فهي حركة تهدف إلى تعزيز الوحدة والتعاون بين كنائس المسيح المختلفة في مواجهة تحديات العصر، مثل اللامبالاة الدينية، والتغير المناخي، والتقنيات الجديدة، وغيرها من تحديات مجتمع الحداثة، وهي تركز بشكل خاص منذ منتصف القرن العشرين على الحوار، والميثاق المسكوني الأوروبي، ورعاية الخليقة.

اما في السياق التاريخي فقد تطورت كاستجابة لضعف الجماعات المسيحية وتنامي التوجهات المعادية للدين، لتصبح جهداً منظماً يجابه هذه النزعات.

من جهة أخرى، يشير مصطلح "المسكونية الجديدة" إلى تحول شهده القرن الحادي والعشرون نحو التعاون بين الطوائف المسيحية قائم على القيم التقليدية المشتركة، والخدمة العملية، ونموذج "تبادل العطايا"، بدلاً من الوحدة الهيكلية أو العقائدية البحتة.

وهي تمد الجسور بين الجماعات المنفصلة تقليديًا، بالتركيز على المواقف الأخلاقية والاجتماعية والثقافية المشتركة، استجابةً لعالم معولم وعلماني.

هي اذاً محاولة لتحديث "المسكونية" لتشمل قضايا معاصرة أخلاقية وتقنية وبيئية، وليس فقط اللاهوت التقليدي.

باختصار، تتجه الحركة المسكونية الجديدة بعيدًا عن التركيز على حل الخلافات اللاهوتية التي عمرها مئات السنوات، إلى العمل كجبهة موحدة بشأن القضايا الاجتماعية والأخلاقية المعاصرة. لذلك ينتقدها البعض معتبرا اياها "هرطقة حديثة" تهدف إلى "سلام سطحي" على حساب النقاء العقائدي.

لقد شكلت النيومسكونية تحولا على صعيد التعاون على الصعيد العملي، والمنهج حيث التركيز على الرسالة المشتركة أكثر من الاتفاق العقائدي، والنطاق، حيث يحصل انخراط أوسع مع تقاليد مسيحية متنوعة.

لذلك يرى البعض ان النيومسكونية هي تطور، اي تكيّف مع سياقات متغيرة، وهي نهج عملي، حيث يجري التركيز على أهداف قابلة للتحقيق، أخذة بعين الاعتبار العوامل السياقية على أساس ان التحولات في المسيحية العالمية، مثل نموها في نصف الكرة الجنوبي او في شرق آسيا، تؤثر على الأولويات المسكونية. في هذا السياق، هي تتعامل مع تحديات مستدامة حيث عليها الموازنة بين الوحدة والتنوع.  

 لذلك، فإن التوجه المسكوني الجديد يتطلب من المسيحيين أن يفهموا الظواهر المسيحية الجديدة التي يعتمد عليها انتشار المسيحية اليوم في العالم: هنا تكمن الإشكالية الجديدة للمسكونية، حيث على اتباعها التنبه لمحاذير الانتشار على حساب صحة العقيدة. عندما ينضم مئات الملايين الى المسيحية اليوم، وهم موزعون على عشرات الثقافات في العالم، ومن المحتمل ان تؤول كل جماعة المسيحية على طريقتها، ماذا سيكون موقفي، وكيف سوف اتصرف؟

التحدي مطروح على أبناء البيعة، ويتعين عليهم الرد، ولكن مهما كان الرد، فلنتذكر ان أبواب الجحيم لن تقوى عليها.

Previous
Previous

مجلس كنائس الشرق الأوسط يصدر نشرته الأسبوعيّة

Next
Next

أسقف الإسكندرية للأرمن الكاثوليك المطران كريكور أوغسطينوس كوسا يستقبل الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس في مقر بطريركية الارمن الكاثوليك_ القاهرة