أسبوع الصلاة من اجل الوحدة المسيحية
اشتراك في تجربة الحياة الواحدة
ألقى الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس هذه الكلمة في المؤتمر الصحفي للإعلان عن أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين، يوم الخميس 8 كانون الثاني/ يناير 2026، في المركز الكاثوليكي للإعلام - جل الديب، لبنان.
البروفسور ميشال عبس
أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط
منذ العام 1908 واسبوع الصلاة من اجل الوحدة المسيحية يطل علينا بحلة متجددة، يوحيها الروح القدس عبر نفوس وعقول المؤمنين التائقين الى ان يكون أبناء البيعة واحدا في الرب، كما ان السيد المتجسد هو واحد مع الآب.
انها السنة المئة والثامنة عشرة للاحتفال بأسبوع الوحدة في شكله الحالي، بعد مخاض استمر منذ العام 1740 وحتى العام 1908، حقبة من الزمن ساهم خلالها النيرون وأصحاب الرؤية البعيدة في زرع معالم وبلورة عناصر صلاة تجمع أبناء المعتقد الواحد في توجه وحدوي حيث يَقبل الجميع ببعضهم البعض في طريقة مخاطبتهم للخالق وشكره على عطاياه التي لا حدود لها.
لقد كان المسار طويلا، واستغرق قرونا من الزمن، حارب خلالها النيرون التباعد الذي استشرى بين أبناء الكرمة الباسقة، تباعداً وصل حد التنابذ والعداء والتكفير. لقد كان هذا "الترف" مكلفا جدا، أكثر مما نتصور، وما زلنا نعاني من تبعاته حتى يومنا هذا.
لن نطيل البكاء من ذكرى حبيب ومنزل، وقد خرجنا من مستنقع التنابذ، وبتنا نسير نحو ان نحيا وحدتنا الايمانية بشكلها الصحيح، رغم وجود بعض من تأخر في السير في ركب هذا التوجه الذي اقل ما يقال عنه انه توجه سليم، وان نتائجه لا بد ان تعود بالكثير من الإيجابية لبني البشر.
ليس أشر من الانقسام او الشرذمة في أي مجال، وليس أفضل من الوحدة والتآزر في أي امر. انه قانون الحياة وليس من شخصين سويين يختلفان حول هذا المبدأ.
لقد ترافق تطور وبلورة أسبوع الصلاة من اجل الوحدة مع نشوء وتصاعد الحركة المسكونية، رغم تباعد بعض التواريخ، وكلا الظاهرتين تعبران عن قلق شديد لدى أبناء البيعة حول ما آلت اليه أوضاع الكنيسة – الواحدة الاحدة – وندم حول ما سلف من إساءة لهذا الايمان الجامع المقدس الرسولي، ولا سبيل للتوغل أكثر في هذا المجال.
الأمور مرهونة بخواتيمها.
نحن اليوم امام حركة مسكونية عالمية، ونحن أعضاء ناشطون فيها، وبشكل فاعل، ونحن اليوم في شراكة صلاة وحدة نحتفل بها خلال أسبوع مخصص لها مرة في السنة، ولكننا نعيشها على مدار السنة بأشكال مختلفة، اكان عبر الصلوات المشتركة، ام عبر النشاطات الجامعة، الثقافية منها والفكرية والفنية وغيرها.
يشكل مجلس كنائس الشرق الأوسط، والذي هو في سنته الواحدة والخمسين، الإطار المسكوني الجامع لكنائس المنطقة، وموئل حوارها وتفاعلها مع بعضها البعض، علما ان هذه الكنائس لم تقصر بتاتا في إطلاق مبادرات حوار ثنائية او متعددة الأطراف، حتى مع غير المسيحيين، في دلالة واضحة الى توسع منطق الحوار وقبول الاختلاف الى مساحات لم تكن متوقعة في البداية.
لقد سار مجلس كنائس الشرق الأوسط نفس المسار الذي خطته الحركة المسكونية واسبوع الصلاة من اجل الوحدة، في إشارة واضحة أيضا الى انه ليس لا منظومة مستوردة ولا تركيبة مفروضة من الخارج، رغم يقيننا ان المجلس هو ثمرة التفاعل بين كنائس المنطقة وكنائس الغرب، وهذه امر طبيعي في العلاقات الثقافية بين الشعوب وفي التفاعل بين الثقافات. ان التيارات الفكرية اليوم هي عالمية بامتياز.
اننا اذ نقول ان عمر المجلس هو اليوم واحد وخمسون عاما، فإننا نقصد المجلس بصورته الحالية، أي مجلس كنائس الشرق الأوسط، الذي هو نتيجة انضمام الكنائس الارثوذكسية والكاثوليكية تدريجيا، الى مجلس كنائس الشرق الأدنى، الذي تأسس في العام 1962، والذي كان يضم الكنائس الانجيلية حصرا. وهذا المجلس بدوره هو وليد المجلس المسيحي للشرق الأدنى الذي تأسس في العام 1929. مختصر القول ان الشعور المتنامي حول ضرورة الوحدة قد عم العالم تدريجيا وفعل فعله في نفوس وعقول أبناء البيعة الذين يحيون هذه التجربة المثمرة والحميدة، تجربة الانسجام والقبول بالتمايز، وهذه الثقافة أضحت تعم العالم اليوم، رغم وجود بعض المواقع المعارضة لها.
لقد وعت الكنائس ان الوحدة لا تعني الذوبان، وان التنوع لا يعني الانقسام، وها هي اليوم تقوم بالنشاطات المشتركة، وتصلي معا، ليس فقط من اجل الوحدة، بل تصلي ضمن الوحدة التي نحياها عبر ايماننا الواحد رغم تنوع المذاهب.
لقد اثمرت الجهود المباركة لكل من الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي في بلورة هذا النشاط، ومأسسته، وتثبيته كجزء من البرنامج الايماني السنوي، وتحديد تاريخه بين عيدي القديس بطرس والقديس بولس، من 18 الى 25 كانون الثاني/يناير من كل عام. ان الكنائس في العالم قاطبة هي على موعد سنوي مع هذه النشاط المبرور، ويحددون له مواضيع تطال كافة ابعاد الايمان الخلاصي، وكافة الثقافات في العالم.
في لبنان، يجري تنظيم أسبوع الصلاة من اجل الوحدة بالتنسيق بين مجلس كنائس الشرق الأوسط، ولجنة البطاركة والأساقفة الكاثوليك، وفي هذا السياق نلتقي اليوم في هذا المؤتمر الصحفي لنعلم الراي العام بكافة تفاصيل هذا الحدث، والذي نتمنى على المؤمنين ونحثهم على المشاركة به قدر المستطاع. لا شيء يعادل التجربة الجامعة لما فيها من تنوع وغنى وآفاق مستقبلية. الجدير ذكره في هذا الصدد ان التنسيق بين المجلس واللجنة هو على اتمه، ويشمل العديد من الأنشطة ذات الطابع المسكوني.
ان الصلاة معا، مناجاة الباري ونحن مجتمعون باسمه، هي تجربة تبعث الرجاء في النفس، كما ترفع مستوى التضامن بين افراد الجماعات المؤمنة، وتاليا بين أبناء الوطن، وهذا مفتاح التماسك الاجتماعي الذي يقود الى السلم الأهلي والاخوة الانسانية.
هكذا نكون نحن من الساعين الى السلام.