مؤتمر لإطلاق النفير حول خطاب الكراهية
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
يتوجه فريق عمل مجلس كنائس الشرق الأوسط الى مصر من اجل عقد مؤتمر حول خطاب الكراهية، وذلك بالتنسيق مع الهيئة القبطية الانجيلية للخدمات الاجتماعية ومؤسسات أخرى عربية وغربية.
لقد اعتبر المجلس، من ضمن توجهاته الاستراتيجية، ان التعامل مع هذه الآفة عبر لفت النظر اليها وعبر وضع الخطط العملية لمواجهتها، هي من واجباته الأولية، أولا كمؤسسة مسكونية، وثانيا كمؤسسة قامت على الحوار والعدالة اللذان يقودان الى السلم المجتمعي، شرط كل تقدم ونمو.
منذ ان أطلقنا، قبل سنوات خمس، برامج الحفاظ على الكرامة الإنسانية وإعادة تأهيل الرأسمال الاجتماعي، ونحن نرصد خطوط التفسخ التي تهدد وحدة مجتمعنا والتي سوف تقوده الى هلاك محتوم.
من ضن رصدنا لخطوط التفسخ والشرذمة الاجتماعية، وبعد عدة ندوات وحلقات نقاش مع خبراء وباحثين، وجدنا ان الأولوية هي لعقد لقاء إقليمي على مستوى العالم العربي حول الظاهرة المخيفة، خطاب الكراهية، يضم نخبة من حوالي 35 باحثاً في مجال الوحدة والتماسك الاجتماعيين. كان القرار ان نبدأ من مصر حيث تجربة الوحدة في الحياة ناجحة وتصلح ان تكون مثالا يقتدى.
الأبلسة هي العنصر الخفي في خطاب الكراهية. هي تنزع عن الآخر صفة الإنسان ونلبسه صورة الشيطان؛ فعندما أختلف معك لا أعود أراك إنساناً أختلف معه، بل شراً مطلقاً وخطراً ينبغي استئصاله. وإذا كان خطاب الكراهية يقول: «أنا لا أقبلك»، فإن الأبلسة تقول: «أنت خطر، ووجودك تهديد». وعندما نصل إلى هذه المرحلة، يصبح العنف قابلاً للتبرير.
وهنا يكمن أحد أخطر التحديات في شرقنا اليوم. فنحن لا نعاني فقط من الحروب، بل من حرب روايات وكلمات. وقد تحولت بعض المنابر الدينية والإعلامية والسياسية إلى ساحات للتخوين والتحريض. والأخطر أننا لسنا دائماً مجرد ضحايا، بل اننا قد نشارك من حيث لا ندري في صناعة الأبلسة عندما نربي أبناءنا على الخوف من المختلف، أو نقسم الناس إلى أخيار وأشرار بحسب انتماءاتهم.
تبدأ الأبلسة بالتعميم: خطأ فرد يصبح صفة لجماعة، وجريمة شخص تتحول إلى اتهام لطائفة أو قوم أو طبقة بأكملها. ثم يأتي نزع الإنسانية، فيتحول الآخر في الخطاب إلى «خائن» أو «عدو». وهكذا تستبدل المعرفة بالخوف، والحجة بالإدانة، والاختلاف بالعداء.
ويرتبط خطاب الكراهية بهذه العملية ارتباطاً مباشراً. فهو يبدأ في الفكر، ثم يتحول إلى موقف وتعبير، وقد ينتهي إلى ممارسة عنيفة. وتتعدد محفزاته: دينية ومذهبية وعرقية واجتماعية وطبقية واقتصادية وسياسية. ويصبح الاستخدام السياسي خصوصاً بالغ الخطورة عندما يجري اختراع عدو أو كبش فداء لتفسير الفشل أو حشد الجماعات بالخوف.
ويلعب الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً مضاعفاً. فالكلمة التي كانت تبقى في مجلس محدود أصبحت قادرة على الوصول إلى الملايين خلال ساعات. والتحريض لا يأتي فقط عبر الكذب، بل أيضاً عبر الانتقاء، والعناوين المثيرة، وإخراج الكلام من سياقه، وتكرار الصور النمطية. وهكذا قد يتحول الغضب إلى سلعة إعلامية.
أما الجهل، فهو بيئة خصبة للكراهية. فالإنسان يخاف ما لا يعرفه، وكلما قلت معرفته بالآخر أصبح أكثر قابلية لتصديق الشائعات حوله، واعتماد الصور النمطية عنه. لذلك تشكل التربية والمعرفة والتواصل المباشر خطوط دفاع أساسية.
وتقدم الأديان مرتكزات أخلاقية قوية للمواجهة وجميعها تلتقي حول حماية كرامة الإنسان. وثنيه عن شيطنة الآخر وكرهه.
لكن المواجهة تحتاج أيضاً إلى خطة وطنية: إدخال التربية على التنوع والتفكير النقدي في المناهج، تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، إنشاء مرصد مستقل لخطاب الكراهية، اعتماد ميثاق أخلاقي للإعلام، إشراك القيادات الدينية والسياسية في ضبط خطابها، تطوير إطار قانوني يحمي المجتمع من التحريض من دون قمع حرية التعبير، وإشراك الجامعات والمجتمع المدني في الرصد والدراسة.
ويأتي دور مجلس كنائس الشرق الأوسط امتداداً لرسالته في الحوار والتماسك الاجتماعي والعمل الإغاثي والتنموي، من خلال برامج المساحات الدينية والثقافية المشتركة، ومكافحة الأبلسة وخطاب الكراهية، وبرامج الأخوة الإنسانية.
الكراهية ليست قدراً؛ إنها عملية تُصنع، ولذلك يمكن تفكيكها. المطلوب ليس مجتمعاً بلا اختلاف، بل مجتمع يعرف كيف يختلف دون أن يكره، وينتقد دون أن يُأبلس، ويتمسك بمعتقده دون أن يهين معتقد الآخر. فعندما نصون إنسانية المختلف، نضع الأساس الحقيقي للسلم الأهلي ولمجتمع أكثر استقراراً وكرامة.
بهذه الخلفية ينعقد هذا المؤتمر في هبة النيل، مصر الحبيبة، ونتوخى عبره إطلاق شرعة تربوية تثقيفية، نستطيع عبرها بناء الانسان السوي في عالمنا العربي، ونتمنى ان تتبناها بلداننا التي نحمل همومها في كنائسنا كما في المجلس، لربما تكون لنا حياة، وتكون حياة أفضل كما أراد لنا السيد الذي بذل نفسه من اجل خلاصنا.