قراءة في أعمال المؤتمر الإقليمي

"مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز الكرامة الإنسانية والحياة معًا"

بقلم مايكل فيكتور

رئيس لجنة الإعلام بمجلس كنائس مصر

ليست أخطر الكلمات تلك التي تقال بصوت مرتفع، وإنما تلك التي تتسلل إلى الوعي ببطء، حتى يصبح الكراهية أمرًا عاديًا، والتمييز وجهة نظر، والإقصاء حقًا، والعنف نتيجة طبيعية للاختلاف. من هنا، ربما يمكن فهم أهمية المؤتمر الإقليمي الذي عقده مجلس كنائس الشرق الأوسط بالشراكة مع الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية في القاهرة، خلال الفترة من 4 إلى 6 أكتوبر، تحت عنوان: «مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز الكرامة الإنسانية والحياة معًا». فالمؤتمر لم يأتي لمناقشة ظاهرة عابرة، ولا ليضيف توصيات جديدة إلى رفوف الوثائق، وإنما وضع يده على أحد أخطر تحديات مجتمعاتنا اليوم: ماذا يحدث عندما يتحول الاختلاف من مساحة للتنوع إلى وقود للكراهية؟

ولعل اختيار القاهرة مكانًا لهذا الحوار يحمل دلالة خاصة. فمصر، بتاريخها وتنوعها الديني والثقافي والاجتماعي، ليست بعيدة عن هذا النقاش، بل هي جزء أصيل منه. ومن القاهرة، التي عرفت عبر تاريخها معنى أن يعيش المختلفون جنبًا إلى جنب، جاء هذا الحوار ليؤكد أن بناء السلام المجتمعي لا يبدأ فقط من القوانين والسياسات، وإنما يبدأ أيضًا من اللغة التي نستخدمها، والصورة التي نقدم بها الآخر، وطريقة تعاملنا مع الاختلاف.

من «الآخر» إلى «الإنسان»

أهم ما يميز أعمال المؤتمر أنه لم يتعامل مع خطاب الكراهية باعتباره قضية دينية فقط. فقد تمت مقاربته من زوايا اجتماعية وقانونية وتربوية وإعلامية ودينية، وصولًا إلى عالم المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن خطاب الكراهية لم يعد حبيس خطبة أو منشور أو نقاش مغلق. لقد أصبح قادرًا على الانتشار في ثوان، والوصول إلى آلاف أو ملايين الأشخاص، وإعادة إنتاج نفسه بصورة متكررة، مدعومًا أحيانًا بخوارزميات لا تميز بالضرورة بين ما هو صحيح وما هو مثير، وبين ما يبني الإنسان وما يستفزه. وهنا يصبح السؤال أكبر من: «من قال؟».

السؤال الحقيقي هو: ماذا صنعت الكلمة؟ ومن الذي تأذى بسببها؟ وإلى أي حد يمكن أن تتحول الكلمات إلى واقع؟

فالكراهية لا تبدأ دائمًا بالعنف. أحيانًا تبدأ بصورة مبتورة، أو بتعميم، أو بوصف جماعة كاملة بصفة واحدة، أو بنزع إنسانية شخص مختلف عنا. ومع تكرار هذه اللغة، يصبح الآخر أقل استحقاقًا للتعاطف، ثم أقل استحقاقًا للحقوق، وربما أقل استحقاقًا للحياة نفسها. ولهذا فإن الدفاع عن الكرامة الإنسانية ليس ترفًا فكريًا، بل هو خط دفاع مبكر عن المجتمع.

حرية التعبير.. والمسؤولية عن الكلمة

ومن النقاط المهمة التي تضمنتها وثيقة القاهرة التأكيد على أن حرية التعبير حق أساسي، مع ضرورة التمييز بين الرأي المشروع وبين التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف. وهنا تبرز معادلة دقيقة لا يجوز اختزالها: لا يمكن مواجهة خطاب الكراهية بإلغاء الاختلاف، كما لا يمكن حماية حرية التعبير بترك التحريض بلا مسؤولية. المجتمع الصحي هو الذي يستطيع أن يختلف دون أن يتعادى، وينتقد دون أن يهين، ويجادل دون أن يجرد خصمه من إنسانيته. فليست المشكلة أن تكون لنا آراء مختلفة؛ المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن اختلاف الآخر يمنحه قيمة أقل منا.

الإعلام.. بين نقل الخبر وصناعة الوعي

وبصفتي أعمل في المجال الإعلامي، أرى أن توصيات المؤتمر تضع أمام الإعلام مسؤولية تتجاوز المهنية التقليدية. الإعلام لا ينقل الواقع فقط؛ بل يساهم في تشكيل الطريقة التي يرى بها المجتمع هذا الواقع. العنوان، والصورة، والمصطلح، وترتيب المعلومات، والمساحة الممنوحة لكل طرف، كلها أدوات قادرة على بناء جسور، لكنها قادرة أيضًا على إشعال خصومة. ولهذا فإن مواجهة خطاب الكراهية تبدأ أيضًا من داخل غرف الأخبار: من مراجعة المصطلحات، ورفض الوصم، وعدم تعميم الأخطاء الفردية على جماعات كاملة، وعدم تحويل الاختلاف الديني أو السياسي أو الاجتماعي إلى مادة للاستقطاب. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه المسؤولية أكثر إلحاحًا؛ لأن كل شخص بات قادرًا على أن يكون ناشرًا ومؤثرًا وصانعًا للرأي في الوقت نفسه.

الذكاء الاصطناعي.. سؤال جديد أمام الإنسانية

ولعل من أكثر جوانب المؤتمر أهمية أنه لم يتجاهل السؤال الجديد الذي تفرضه التكنولوجيا: ماذا يحدث عندما تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى معركة الكلمة والصورة والمعلومة؟ فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في رصد خطاب الكراهية وتحليل انتشاره، لكنه يمكن أيضًا أن يضاعف سرعة إنتاج المحتوى المضلل والمسيء، وأن يجعل صناعة الصور والمقاطع والمعلومات الزائفة أكثر سهولة. لذلك فإن الحديث عن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، والشفافية، والمساءلة، والإشراف البشري، ليس ترفًا تقنيًا، بل أصبح جزءًا من حماية السلم المجتمعي نفسه.

التربية.. الوقاية قبل المواجهة

لكن ربما تظل التوصية الأكثر عمقًا هي تلك المتعلقة بالتربية. فإذا أردنا مجتمعًا أقل قابلية للكراهية، فلا يكفي أن نعاقب خطاب الكراهية بعد ظهوره؛ علينا أن نربي أجيالًا لا تجد فيه بيئة خصبة من الأساس. التربية على المواطنة، والتفكير النقدي، والدراية الإعلامية، والحوار، واحترام الاختلاف، ليست مواد إضافية في حياة أبنائنا، بل أدوات لحمايتهم من التلاعب والخوف والتطرف. فالطفل الذي يتعلم أن المختلف ليس عدوًا، والشاب الذي يتعلم أن المعلومة تحتاج إلى تحقق، والمواطن الذي يدرك أن كرامة الآخر لا تنتقص من كرامته؛ جميعهم يشكلون معًا جدار الحماية الحقيقي للمجتمع.

«الحياة معًا».. أكثر من مجرد شعار

من أجمل ما تطرحه وثيقة القاهرة أنها لا تتوقف عند «قبول الآخر». فالقبول قد يعني أن أسمح لك بأن تكون مختلفًا، بينما الحياة معًا تعني شيئًا أعمق: أن أؤمن بأن اختلافك جزء من المشهد الذي يجمعنا، وأن لك الحق نفسه في الكرامة والحقوق والفرص والمسؤولية والمستقبل. وهنا تتحول المواطنة من مجرد مفهوم قانوني إلى ثقافة حياة. أن نختلف ونبقى معًا.. أن ننتقد ولا نكره.. أن نتمسك بهويتنا دون أن نحولها إلى جدار في وجه الآخرين. أن نؤمن بما نعتقده، دون أن نسلب المختلف حقه في أن يؤمن بما يراه. تلك ليست مثالية بعيدة عن الواقع؛ بل هي ضرورة لبقاء المجتمعات متماسكة.

من وثيقة إلى فعل

ويبقى التحدي الأكبر بعد انتهاء المؤتمر: ماذا بعد؟ فأي وثيقة، مهما كانت مهمة، تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها إذا بقيت حبيسة الكلمات. وهنا تأتي أهمية التوصية بإنشاء شبكة دائمة للرصد والتنسيق وتبادل الخبرات، إلى جانب وضع خطط وطنية واضحة، وتطوير التشريعات والممارسات، وتمكين الشباب والنساء والمجتمع المدني، وتعزيز دور المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية؛ وهذا ما نثق ان يعمل عليه مجلس كنائس الشرق خلال الفترة القادمة؛ لان نجاح «وثيقة القاهرة» سيقاس على الانتقال من قاعة المؤتمر إلى المدرسة والجامعة والكنيسة والمسجد وغرفة الأخبار ومنصة التواصل الاجتماعي ومؤسسات الدولة والبيت. هناك، تحديدًا، تبدأ المعركة الحقيقية.

مصر.. رسالة تتجاوز حدود المؤتمر

ومن القاهرة، تبدو الرسالة واضحة: مواجهة خطاب الكراهية ليست مواجهة مع المختلف، وإنما مواجهة مع كل ما يحول الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى إقصاء، والإقصاء إلى عنف. وإذا كانت منطقتنا قد دفعت، ولا تزال تدفع، أثمانًا باهظة نتيجة الاستقطاب والكراهية والانقسام، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نختار طريقًا آخر. طريقًا يبدأ من الإنسان. من كرامته. من حقه في أن يختلف. ومن حقه في أن يعيش آمنًا، دون أن يكون دينه أو ثقافته أو أفكاره سببًا للنيل من إنسانيته.

ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذا المؤتمر هو أن مواجهة الكراهية لا تعني أن نجعل الناس متشابهين، بل أن نتعلم كيف نعيش مختلفين دون أن يؤذي أحدنا الآخر. فالاختلاف سيبقى. والتنوع سيبقى. والآراء ستختلف.. لكن أمامنا خيارًا إنسانيًا وأخلاقيًا ووطنيا: إما أن نجعل من هذا الاختلاف جسرًا نحو حياة مشتركة، أو نتركه يتحول إلى جدران تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان.

وفي النهاية، لا تحتاج المجتمعات إلى مزيد من الأصوات التي تصرخ في وجه بعضها البعض، بقدر ما تحتاج إلى أصوات تعرف كيف تُصغي. ولا تحتاج إلى إلغاء الاختلاف، بقدر ما تحتاج إلى حماية الإنسان المختلف. فالحياة معًا ليست أن نتشابه… بل أن نختلف، ونظل معًا.

Previous
Previous

فيديو - قداسة البابا تواضروس الثاني يستقبل الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس برفقة وفد من المشاركين في المؤتمر الإقليمي حول مواجهة خطاب الكراهية

Next
Next

فيديو - إضاءة على المؤتمر الإقليمي: مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز كرامة الإنسان والحياة معًا