بين التشرد والحق في السكن
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
كثرت مؤخرا في شمال لبنان حوادث انهيار الأبنية السكنية، مما حدا بالدولة الى اخلاء العديد من الأبنية في المدينة ونقل السكان الى مراكز إيواء، وقد كانت الكنائس في طرابلس السباقة الى وضع ابنية بتصرف الدولة والنازحين.
قد تبدو هذه الحادثة استثنائية، او عابرة، ولكن الصحيح انها ليست سوى نموذج عن مشاكل الإسكان في منطقتنا، وليس فقط في لبنان، وفي العالم.
ان الحاجة الى السكن هي حاجة أولى عند بني البشر، لان البيت هو الملاذ الأساس للإنسان حيث يأوي اليه بعد يوم مضن من العمل ليرتاح من عناء النهار ويلتقي بعائلته او يختلي بنفسه ويخلد الى النوم تحضيرا ليوم تال من العمل والإنتاج.
البيت هو المكان الذي يرتاح فيه الفؤاد – بعد الوطن، لا بل هو وطنه الصغير، وهو الذي يحدد صحة الانسان الجسدية والنفسية، والعلاقات الاجتماعية وجزئيا النجاح المدرسي لدى الاولاد.
تصوروا ان المكان الذي يوفر كل ذلك غير موجود.
تصوروا ان أناسا يعيشون في منازل غير صحية، في احياء غير صحية، في محيط موبوء، كثير الضوضاء، ملوث، لا تصله الماء بالشكل المناسب ولا الكهرباء ولا شتى الخدمات الضرورية لرفاه الانسان ونماءه.
هذه المنازل التي اعتبرت خطرة ومعرضة للانهيار بسبب غزارة الشتاء، لم تستحل كذلك بين ليلة وضحاها، بل هي منازل ذات مستوى مثير للاشمئزاز لا يليق بإنسان القرن الواحد والعشرين.
هي منازل ذات بنية هزيلة، وحجم دون المطلوب وخدمات مؤسفة. هي منازل يقطنها الانسان بشعور المؤقت المهين، بمعاناة البؤس والاكتفاء بالحد الأدنى، بمنطق انها خيم من اسمنت، تأوي اسرا وتمنع عنها شر التشرد وسكن الأرصفة او خيم المهانة. انها حال الانسان الذي "لم يعد له من الحي ملجأ" كما ورد في القول الشعبي.
هي منازل لا تؤمن الحد الأدنى لا من الناحية الصحية ولا من الناحية النفسية الاجتماعية، حيث لا تستطيع الاسرة ان تحيا حياة اجتماعية سوية ولا يتمتع افرادها بالخصوصية الضرورية لكل انسان.
الحق بالسكن اللائق، المحترم، وليس بالإيواء ذو الطابع المؤقت، هو حق طبيعي لكل انسان، لا جدل حوله، ولكننا، للأسف، نجد ان هذا الحق غير مؤمن، خصوصا في بلداننا.
ان تنهار الأبنية على قاطنيها، وان تصبح الاسر في الشوارع تبحث عن مأوى، فهذه ذروة الإهمال الذي يقود الى الذل. ان الامر ليس وليد ساعته، بل هو نتيجة تراكم هائل من الإهمال وتجاهل الموضوع والتغاضي عن الازمة.
ثمة قائل ان للدولة دور أساس في حل المعضلة، لان كلفة السكن تتخطى مداخيل الكثير من الاسر الناشئة او الاسر الفقيرة، ولكن في غياب خطة سكنية متكاملة من جهة القطاع العام، لا بد للكنيسة، والهيئات الدينية عامة، ان تتدخل لحل هذه الازمة التي طال امدها.
ان المؤسسات الدينية تمتلك من العقارات الكم الهائل الذي يتيح لها ان تشكل حلا لازمة السكن اللائق. وإذا لم يكن كذلك، ففي الامر مشكلة تصل الى عمق منطق الرؤية والتخطيط لدى هذه المؤسسات. عندما تتوفر الموارد، وتكون الحاجة ماثلة امامنا، ولا يكون هناك حل، فان لب المشكلة يكون في تنسيق استثمار هذه الموارد.
لقد قامت الكنيسة بعدة مشاريع سكنية، فلماذا لا تتكرر؟ لماذا توقفت الكنيسة عن متابعة مشاريعها السكنية؟ هل جرى تقييم لهذه المشاريع واخذ العبرة منها من اجل الاستمرار او إيجاد معادلة مختلفة عن التي اعتمدت في المرحلة الاولى؟
في العقيدة المسيحية يُعتبر استقبال الغريب عملا في صلب الايمان، حيث ورد في الكتاب المقدس "كنت غريبًا فأويتموني"، و "لاَ تَنْسَوْا إِضَافَةَ الْغُرَبَاءِ، لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ". فكيف إذا لم يكن ذوي الاحمال الثقيلة من الغرباء؟
ان سوء توزيع الدخل والثروة في بلداننا هما السبب الأساس في حال الفقر التي نعيشها، والبيت اللائق يشكل البند الاولي في بناء الاسرة وهو حجر الزاوية للحياة الكريمة. فكيف نحرم الانسان هذا الحق في زمن حقوق الانسان؟