رمضان، من المساحات الدينية المشتركة

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

بدأ الصوم الرمضاني البارحة، متزامنا مع صيام زمن القيامة لدى الكنائس التي تعتمد التقويم الغربي، وقد ركز العاملون في الحوار ومحبي التماسك الاجتماعي على هذه الصدفة التي تحصل غالبا، واعتبروها مؤشرا الهياً للدعوة الى التضامن بين المؤمنين من جميع الأديان، او مؤشرا زمانيا للإرشاد الى التماسك الاجتماعي الذي يتعرض للاهتزاز من وقت الى أخر على أساس النزاعات الطائفية.

لا بل أكثر من ذلك، فقد عمد البعض الى ابتكار بطاقة تحمل شعارات المسيحية والإسلام والتمنيات بصوم مبارك لاتباع الدينين السماويين.

ما يهمنا، نحن المشتغلون بالحوار والتماسك الاجتماعي، وما يرتبط به من مساحات دينية مشتركة، هو ان نظهر كيف ان المجتمع بكافة فئاته قد اعتمد الصوم الرمضاني كتقليد يتخطى الدين او الطائفة. لقد أصبحت هذه المناسبة الدينية المباركة، والتي هي في الأساس تهذيب للنفس ودعوة الى التأمل والتوبة والعطاء، مناسبة لجمع الناس حول موائد الرحمان، في تأكيد على وحدة المجتمع عبر احترام الناس لتقاليد بعضها الدينية ومشاركتها بها.

العدد الأكبر من الناس يعيش الحياة الرمضانية، على مختلف انتماءاتهم الدينية، فمنهم من هو داع الى إفطار ومنهم من هو مدعو، فيتبادلون الأحاديث الاجتماعية، والكثير منهم يركزون على جوهر الدين والايمان والصيام، ويتطرقون أحيانا الى مقارنة الصيام بين الأديان. إضافة الى ذلك، وإذا كان الإفطار يجري في إطار مؤسسات ذات طابع اجتماعي، فتلقى كلمات تحمل الكثير من القيم والتطلعات تظهر أكثر فأكثر كم ان القيم الاجتماعية التي نحيا بها، والمرتكزة أساسا على الدين، متقاربة لدرجة أنك تحسبها نابعة من ديانة واحدة.

اما الجدير ذكره فهو ان العدد الكبير من المرجعيات المسيحية هي التي تقيم الإفطارات الرمضانية تكريما لأحباء وأصدقاء لهم من الدين الإسلامي وتعبيرا عن الوحدة في الحياة.

في هذا السياق، يصبح الصوم الرمضاني مناسبة اجتماعية شاملة، وطقسا وطنيا جامعا، يؤلف بين القلوب ويدعم الوحدة والتماسك الاجتماعيين.

هذا ما نقصده في مجلس كنائس الشرق الأوسط عندما نتكلم عن "المساحات الدينية المشتركة" في منطقتنا والتي نراها واضحة جلية لا لبس فيها.

ان الزمن الرمضاني، وعيد الفطر الذي يليه، هما جزء من هذه المساحات المشتركة التي نريد ابرازها ما استطعنا عبر برامج المجلس المخصصة لهذا الامر. هكذا نكون قد برينا بقيمة أساسية من قيم الحركة المسكونية في الشرق الأوسط، الحوار والسلم الأهلي.

لا تختلف الحياة الرمضانية المشتركة عن عيد البشارة، وعن مكان لجوء العائلة المقدسة في مصر، وعن سيدة صيدنايا في الشام، وعن المغطس في الأردن، وعن كنيسة القيامة في القدس، وغيرها، عن كونها مدى مشترك لجميع ابناء بلداننا ومكان لحمة اجتماعية قائمة على ايمان ديني هو موضع احترام متبادل.

نحن في المجلس بصدد وضع اللمسات النهائية لهذا البرنامج، برنامج ابراز المشترك الكبير بين أبناء هذه البلاد، المشرق الانطاكي ووادي النيل، وتوعية الناس عليه من اجل ان يكون وسيلة للألفة والتضامن.

لقد اوصانا السيد ان نكون واحدا. نحن واحد في وحدتنا الدينية والاجتماعية، ونحن النور الذي يضيء لكل من في البيت لئلا يضلوا الطريق.

Next
Next

محافظ بيروت الأسبق المهندس نقولا سابا يزور الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس في بيروت