الكلمة مسؤولية

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

انها الكلمة، تلك التي أملت ضرورتها على العقل، والتي إذا اُنتجت من اللسان، تتخطى قائلها، فيفقد السيطرة عليها وقد تقوده الى النعيم او الى الجحيم.

هي وحدة التواصل الأولية بعد ان خرج الانسان من حال البدائية، الى حال النطق، الذي منه يشتق المنطق.

هي على تماس مستدام مع العقل، لا بل ذهب بعض علماء الاناسة ان النطق هو أبو العقل. هي الكلمة التي تبرمج العقل، وانطلاقا من ذلك، ابتدع علماء الالكترونيات البرمجيات التي من دونها لا نفع للحاسوب.

خطيرة هي الكلمة، اذ انها تكشف عن مكنونات صدر وعقل الانسان. كم من مرة قلنا عن أحد "ليته لم يتكلم!"

الكلمة هي مكنز الذاكرة التاريخية للشعوب والحضارات والثقافات. هي التي تحمل اجيالا من المعاني، وانطلاقا من ذلك أُنشئ علم الالسنية.

تزخر ثقافتنا الشعبية بالأقوال والامثال التي تعطي الكلمة مكانتها وتسطر خطورتها في حياة البشر.

لسانك حصانك، صنته صانك، تقول الحكمة الشعبية، اذ كم أرسلت الكلمة من نطق بها الى المهالك.

ويذهب قول شعبي اخر الى اعتبار ان الخالق قد زودنا بأذنين اثنتين وفم واحد، لكي نستمع ضعف ما نتكلم.

هي الكلمة التي، إذا تكلمت بها ملكتك، وإن لم تتكلم بها ملكتها. نعم الانسان اسير ما يصدر عنه من كلام، لذلك ورد ايضا على لسان الحكماء ان "خير الكلام ما قل ودل".

إضافة الى ذلك، تكمن خطورة الكلمة في اقران القول بالفعل، حيث ورد أيضا في الاقوال الشعبية ان "خير المقال ما صدقته الفعال".

لقد درج قول شعبي مفاده انه ليس على الكلام من ضريبة، ولكن مع تصاعد منطق حقوق الانسان، ومحاربة التقبيح والتنمر، ووجود قوانين تحترم هذه الظواهر، أصبح الكلام مسؤولية لا مفر منها اذ قد تطال الانسان دعاوى قدح وذم او تشهير او تنمر في حال تعرض للغير من دون اثبات ما تفوه به لسانه.

قبل ان تتبلور ثقافة حقوق الانسان وجعل الناس مسؤولة عما تقوله، كانت المساءلة تجري ضمن المجتمع من دون الرجوع الى المحاكم، اذ انبانا الامام الشافعي ان " لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن". 

اما صلاة التوبة للقديس مار أفرام السرياني، فقد ورد فيها ان الكلام البطال هو احدى الخطايا الكبرى في حياة الانسان، حيث يقول: "أيها الرب وسيد حياتي، أعتقني من روح البطالة والفضول وحب الرئاسة والكلام البطال، وأنعم عليّ أنا عبدك الخاطئ بروح العفة واتضاع الفكر والصبر والمحبة، نعم يا ملكي وإلهي هب لي أن أعرف ذنوبي وعيوبي وألا أدين إخوتي، فإنك مبارك إلى أبد الآبدين، آمين"

لقد كرمنا الرب ان جعل الكلمة جسدا وحل بيننا، فقام بذلك بكامل مسؤوليته تجاه بني البشر. لا بل أكثر، لقد بذل الكلمة كفارة عن ذنوبنا وخطايانا، فهلا نعتبر؟

كم من كلمة قتلت، وكم من كلمة خربت ديارا عامرة، وكم من كلمة حطمت انساناً؟ اذا كان يدري قائلها مراميها، فتلك مصيبة، اما إذا كان لا يدري، فالمصيبة أعظم، لأنها مقرونة بالجهل وعدم الاكتراث. في زمن شبكات التواصل المترامية الأطراف، كم نحتاج الى الاخلاق من اجل ضبط الكلمة!

لقد ورد على لسان الشاعر العربي ان "جِراحات السِّنانِ لها التِئامٌ ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ، كما ورد على لسان الاديب سعيد تقي الدين انه إذا اردت ان تقتل شخصا لا تطلق عليه رصاصة، بل أطلق عليه إشاعة.

اما السيد المتجسد، ابن الانسان، فقد حسم الامر بشكل لا لبس فيه، اذ ورد على لسانه ان "مَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ."

هل يتعظ بنو البشر؟

Previous
Previous

مجلس كنائس الشرق الأوسط يصدر نشرته الأسبوعيّة

Next
Next

قصتي مع السريان (ج1)