مع قداسة البابا فرنسيس وسماحة الشيخ الأزهر
4 شباط/ فبراير اليوم العالمي للأخوّة الإنسانيّة!
ما هي جذوره؟
إعلام مجلس كنائس الشرق الأوسط
منذ العام 2020 لم يعد الرّابع من شباط/ فبراير تاريخًا عاديًّا في الرزنامة العالميّة، فقد بات يحمل صرخة دوليّة تندّد بالعنف وخطاب الكراهيّة والعدائيّة... تكرّس يومًا يذكّرنا بالأخوّة الّتي تربطنا جميعًا مهما اختلفت جنسيّاتنا وأعراقنا ومجتماعاتنا ودياناتنا... ويدعونا للعمل من أجل السّلام والعدالة والاستقرار...، علّنا نعيش سائر أيّام حياتنا بحسب ما أوصانا السيّد يسوع "المسيح أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضًا. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً" (يوحنّا 13: 34).
أمّا الشرق الأوسط فهو جريح اليوم نتيجة الإنقسامات والنزاعات والحروب... الّتي سادت في كلّ دولة منه. المنطقة بحاجة ماسّة إلى تعزيز الحوار وتعميق روابط الأخوّة بين الجميع، من قادة إلى مسؤولين ومواطنين.
من هنا كان قداسة البابا فرنسيس الراحل قد أطلق رسالة عامة بعنوان Fratelli Tutti باللّغة الإيطاليّة أي "جميعنا أخوة" حيث قام بتوقيعها في 3 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2020، ليلة عيد القدّيس فرنسيس الأسيزي، في مدينة أسيزي الإيطاليّة. علمًا أنّ الرسالة موجّهة إلى الناس جميعًا في كلّ أنحاء الأرض من دون استثناء، لذلك تمّت ترجمتها إلى لغّات عدّة كي تُوزّع عالميًّا. في الواقع، جاءت هذه الرّسالة كبارقة أمل في زمن حكمت فيه المخاطر الإجتماعيّة والفقر والهجرة والتغيّرات المناخيّة والأزمات المختلفة.
"الأخوّة الإنسانيّة": رسالة أمل في أيّام عصيبة
بدايةً لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه الرسالة تتمحور حول الأخوّة الإنسانيّة والصداقة الإجتماعيّة. يكمن جوهرها الأساس في إعادة اكتشاف قيمة هذه الأخوّة واعترافنا بأنّنا جميعنا أخوة وأخوات مسؤولين عن بعضنا بعضًا، من خلال الحفاظ على الانتماء المشترك الّذي يجمعنا.
كما أنّ Fratelli Tutti تهدف إلى الدخول في ذهنيّة جديدة من خلال هذه الروابط، حيث كان قداسة البابا فرنسيس الراحل قد أشار إلى أنّها "رسالة عامّة اجتماعيّة"، استمدّ عنوانها من "تحذيرات" القدّيس فرنسيس الأسيزي الّذي كان ملهمًا له.
وتجدر الإشارة أنّ قداسة البابا فرنسيس اختار منطقة أسيزي حيث يقع قبر القدّيس فرنسيس لتوقيع هذه الرسالة لأنّه يحبّ "التواصل ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال أيضًا: من خلال ذلك، يريد أن يرسل الإشارات. دعا كلّ شخص إلى التساؤل: "ماذا يريد البابا فرنسيس أن يقول لي عندما وقّع الرّسالة على القبر...، القدّيس، المصلح، أخ الجميع؟"؛ وذلك وفق ما كان قد ذكره أحد معاوني البابا، الكاردينال مايكل شيرني اليسوعي، المسؤول عن قسم اللّاجئين والمهاجرين في دائرة خدمة التنمية البشريّة المتكاملة، خلال مقابلة مع الموقع الإلكتروني للرهبنة اليسوعيّة في 4 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2020.
تضمّ الرسالة 8 فصول مفصّلة عن مواضيع إنسانيّة مختلفة. الفصل الأوّل حمل عنوان "ظلال عالم مغلق"، بينما الثاني "غريب على الطريق". الفصل الثالث سُمّي "التفكير في عالم منفتح وخلقه"، والفصل الرابع "قلب منفتح على العالم بأسره". أمّا الفصل الخامس فحمل عنوان "السياسة الأفضل"، وفي القسم السادس تحدّث البابا فرنسيس عن "الحوار والصداقة الإجتماعيّة". كما أنّ موضوع الفصل السابع هو "مسارات لقاء جديد" والفصل الثامن والأخير "الديانات في خدمة الأخوّة في العالم". كما أنهى البابا فرنسيس رسالته بصلاة للخالق وصلاة مسكونيّة مشتركة.
Fratelli Tutti امتداد لوثيقة "العيش المشترك" - اليوم الدولي للأخوّة الإنسانيّة يبصر النور
من جهّة ثانية ترتبط رسالة Fratelli Tutti بشكل كبير بـ"وثيقة الأخوّة الإنسانيّة من أجل السلام العالمي والعيش المشترك" الّتي قام بتوقيعها قداسة البابا فرنسيس وسماحة شيخ الأزهر الإمام الأكبر أحمد الطيّب في أبو ظبي في 4 شباط/ فبراير 2019؛ لتكون، بحسب ما ذكرت مقدّمة هذه الوثيقة، "إعلانًا مُشتَركًا عن نَوايا صالحةٍ وصادقةٍ من أجل دعوةِ كُلِّ مَن يَحمِلُونَ في قُلوبِهم إيمانًا باللهِ وإيمانًا بالأُخُوَّةِ الإنسانيَّةِ أن يَتَوحَّدُوا ويَعمَلُوا معًا من أجلِ أن تُصبِحَ هذه الوثيقةُ دليلًا للأجيالِ القادِمةِ، يَأخُذُهم إلى ثقافةِ الاحترامِ المُتبادَلِ...".
علمًا أنّ هذه الوثيقة كانت ثمرة المؤتمر العالميّ للأخوّة الإنسانيّة الّذي عُقد في دولة الإمارات حيث قام بتنظيمه مجلس حكماء المسلمين. أمّا الجدوى منه فكان تفعيل الحوار حول التعايش بأخوّة بين جميع البشر عالميًّا، إضافةً إلى مواجهة التطرّف الفكريّ وتداعيته، وتعميق الروابط الإنسانيّة بين كلّ الديانات مع احترام الإختلافات...
في هذا الإطار، كان سماحة الشيخ الأزهر قد نوّه برسالة قداسة البابا فرنسيس "جميعنا أخوة" وبأهدافها ومضمونها، حيث أعرب عن آرائه بها عبر رسالة كان قد نشرها على صفحته الرسميّة على موقع فيسبوك. إذْ، قال فيها "تأتي رسالة أخي البابا فرنسيس - كلّنا إخوة - امتدادًا لوثيقة الأخوّة الإنسانيّة، وكاشفةً لواقع عالميّ يعيش الخلل في مواقفه وقراراته، ويدفع المستضعفون والمهمّشون ضريبةَ ذلك.. رسالة تخاطب أصحاب الإرادة الخيّرة، والضمير الحيّ، وتستعيد للبشريّة وعيها".
من هنا، وتخليدًا لوثيقة الأخوّة هذه وعقب إطلاق مبادرات دوليّة وإقليميّة ومحليّة عدّة وبذل الرؤساء الدينيّين جهودهم من أجل تقريب المسافات بين كلّ الديانات والثقافات، لا سيّما رسالة قداسة البابا فرنسيس، تمّ تحديد الرّابع من شباط/ فبراير يومًا دوليًّا للأخوّة الإنسانيّة ليُحتفل به في هذا التاريخ من كّل سنة. وذلك بعدما اعتمدت الجمعيّة العامة للأمم المتّحدة القرار الّذي قدّمته دول عدّة كالسعوديّة والإمارات والبحرين ومصر طالبة فيه إعلان هذا اليوم الدوليّ ليصبح موعدًا سنويًّا عالميًّا. علّ هذا القرار يحثّ الجهات المعنيّة على مكافحة كلّ أنواع العنف وخطاب الكراهيّة...