عندما تُسَلّع الأوطان والأمم
ألقى الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس هذه الكلمة في يوم التضامن والصلاة من اجل لبنان والشرق الأوسط الّذي نظّمه المجلس يوم الخميس 12 آذار/ مارس 2026.
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
في التحولات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالعالم، نجد ان المجتمع البشري قد تحول الى سوق نخاسة حيث تباع الأوطان والأمم قطع غيار او مكونات ثانوية يجري استعمالها في مشاريع من لا يرون في الناس الا رقما مصرفيا او أداة للاستعمال في مشاريع سلطة او نفوذ.
بلادنا، أي كانت نظرتنا الى الانتماء القومي، اكان لبنان، او المشرق الانطاكي، او الشرق الأوسط وشمال افريقيا، او بلاد العرب اوطاني، خضعت لعملية وضع يد عليها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ووضعت تحت الحصار إضافة الى تجزئتها الى دويلات مصطنعة، اغلبها لا يرقى الى مكونات وطن مكتمل العناصر او دولة قادرة على تأمين السيادة والاكتفاء الاقتصادي.
نحن اليوم نعيش فصلا جديدا من فصول مأسي هذه البلاد، حيث بلغ الحصار والتفتيت ذروتهما وحيث التبعية أصبحت في أخطر مراحلها. "سوف ندخل في مرحلة طويلة من العبودية الشديدة" قالها أحد رؤيويي بلادي، وها نحن قد دخلنا هذه الحقبة بعد ان جرى التمهيد لها لفترة طويلة عبر ادخال البلدان في أزمات متتالية من كل نوع وضعتها في حال دائمة من انعدام الاستقرار. نحن اكثر امة في العالم لديها مغتربين، وقد يكونوا في بعض الدول أكبر عددا من المقيمين.
نزف من كل نوع: نزيف طاقات بشرية، نزيف موارد طبيعية، نزيف اثار منهوبة من جوف الأرض، نزيف رساميل، نزيف استثمارات، واللائحة تطول. نرى ابناءنا يعمرون العالم وبلادهم في حالة من التأخر الشديد.
هذا ليس قدر، هذا من صنع يدينا.
لا يغير اللّه ما في قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، يذهب القول الكريم.
كل ذلك يؤدي حكما الى فقدان السيادة القومية على ارض الوطن، وتركه سائبا مستباحا، ولقمة سائغة لمطامع من اكتنزوا قوة وقدرة.
نحن اليوم في ذروة الصراع بين محاولة استرداد السيادة، او الحفاظ على ما تبقى منها، وفقدانها لمصلحة مشاريع حيكت منذ عقود لمنطقتنا ويجري تنفيذها بتؤدة، لحظة فلحظة، ويوما فيوما، وسنة فسنة وعقدا فعقد. لقد استطاعت شعوبنا حتى اليوم منع تحقق المشاريع-المؤامرات المحاكة ضدنا، وذروتها التفتيت من اجل الاخضاع. وفي كل ذلك، الويل لمن يقاوم، فنكون بذلك الامة الوحيدة في العالم التي ينكر عليها حق المقاومة. نحن امة عرفت الحق والحق حررها، كما يقول السيد المتجسد، وهو الذي حمل سوطه وطرد تجار الهيكل. ان الكرامة والحق مجذرين في خلايانا وفي عمق أعماق نفوسنا وعقولنا.
نشهد اليوم فصولا بشعة من تحولات درامية تجري على ساحات منطقتنا، من تدمير غزة وابادة شعبها، الى تدمير جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، الى الاعتداء على سائر دول المنطقة وتدمير مرافقها وقدراتها ومنعها من حيازة القدرة التكنولوجية والقضاء بشكل نهائي على سيادتها. نحن اليوم في الفصل الأكثر وجعا حيث أسفر اهل الدول العميقة عن وجوههم وقالوها لنا مباشرة، ان كل حضارتنا ووجودنا وكياننا لا يساوون الموارد التي استودعها الرب ارضنا. وضع اليد على النفط والغاز والمعادن والمواقع الطبيعية، وغيرها من الموارد واستثمارها من قبل الشركات القزمة التي تسمى عملاقة، تبرر إبادة من هم على الأرض او تهجيرهم. على دماء وعظام أطفال غزة يريدون إقامة مجمعات سياحية لاستجمام مصاصي دماء العالم الذين تملأ اخبارهم الصحافة. كدر في قدر. واللّه فقط يعلم ما وراء اكمة تدمير قرى جنوب لبنان وتهجير أهلها واخلاءها بشكل شبه تام. في كلا المكانين، لا يزال الشعب صامدا، يكابد شظف العيش، وينظر الى أيام أفضل. الحق، الحق قال السيد المتجسد "لأَنَّ دُخُولَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللّهِ!".
نحن، في مجلس كنائس الشرق الأوسط، الذي يضم الى عضويته كنائس المنطقة في توجه مسكوني، يشمل جميع سكان المسكونة، نحاول ان نقوم بواجبنا الوطني والإنساني بكل ما اوتينا من طاقة وموارد.
نحن نعمل في المناصرة لقضايانا الوطنية والقضايا المحقة في العالم، عبر التواصل مع الحركة المسكونية في العالم. كذلك نعمل في مجالات الخدمة الإنسانية والتنمية والحوار والتشبيك وبعض من الأبحاث. نواكب كل احداث منطقتنا ونحاول إيصال صوت شعوبنا الى العالم، والفضل موصول لشركائنا من مجالس الكنائس في العالم، والكرسي الرسولي، وسائر المؤسسات المعنية بالحق والعدالة والسلام.
منذ بداية الحرب الأسبوع الفائت أطلقنا نداء الى العالم، واصدرنا بيانا مشتركا مع مجلس الكنائس العالمي، وارسلنا مشاريع اغاثية طلبا للتمويل. هذا غيض من فيض، والتفاصيل متوفرة على مواقع مؤسستنا على الشبكة العنكبوتية. كذلك، نواكب حرب غزة منذ اندلاعها، وقد خصصنا بابا في نشرتنا الأسبوعية، مومنتوم، سميناه مرصد فلسطين. اننا نحاول في ما نقوم به ان نذهب ابعد من اللهم فاشهد اني بلغت.
ان ثقيلي الاحمال يزدادون في العالم، وفي بلداننا خصوصا، ونحن معنيون بهم ما استطعنا الى خدمتهم سبيلا. اننا نرى وجه المسيح في وجه كل معذب ولاجئ وبائس ومهمش، حيث هو الذي قال لنا لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فأسقيتموني. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فأسقيناك؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقُولُ لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ.
هي مسؤولية ملقاة على عاتقنا، فربي قدرني ان ابر بتعاليمك.