من الجحيم... بث مباشر

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

وكأن معاناة اللبنانيين، وشعوب المنطقة عموماً، لا تكفيها مصائبها، أتت الحرب الكونية المقنعة بشتى الأقنعة، لتزيد من معاناتنا وﺁلامنا.

نحن في لبنان، وجيراننا في المشرق الانطاكي، المبارك والمعذب، على صورة المخلص، كنا نعيش أزمات في يومياتنا لا تعد ولا تحصى.

إضافة الى المشهد السياسي الذي لا سبيل للدخول في تفاصيله، والذي يمكن وصفه بأبشع الصفات، يأتيك المشهدين الاقتصادي والاجتماعي ومشتقاتهم.

على الصعيد الاقتصادي، هذه منطقة مسلوبة الموارد لأنها مسلوبة السيادة والإرادة، لا تستطيع التصرف بمواردها حسب مصالحها، من أثار اجدادنا التي نُهبت من تحت الأرض، الى مواردنا الإنسانية التي تجوب اصقاع العالم بحثا عن مستقبل افضل، الى مياهنا ونفطنا وغازنا، وصولا الى كل ما لم تمتلكه أيماننا. البطالة تطال كل شرائح المجتمع، والتضخم المالي يضرب مستوى معيشتنا، بسبب تعسف أصحاب سلطة رأس المال، والرواتب متدنية تجعل من مستوى حياتنا اقرب الى الفقر، ما عدا من امتلك ثروات ونفوذاً واحتكارات، وتحالف الجماعات الحاكمة بأمر السياسة مع الجماعات الحاكمة بأمر المال يجعل من الأكثرية الساحقة من الشعب مسلوب الإرادة والقرار.

على الصعيد الاجتماعي نحن امام مجتمعات ذات بنى مفككة على شتى الصعد، عائلياً ومناطقياً ودينياً، وطائفياً ضمن الديني، ومذهبيا اياناً، وعرقياً، ولم نستطع بعد الخروج من منطق الادغال، حيث الرابط يكمن في العصبية، وحيث الغلبة للأقوى، الى منطق المجتمع، حيث يسود العقد الاجتماعي، وحيث الغلبة للكفاءة او للحق. شبابنا يهاجرون جزئياً لأسباب سياسية واقتصادية، وجزئيا لأسباب اجتماعية تتعلق بمستقبلهم وتحقيق تطلعاتهم.

اما البيئة، فحدث ولا حرج.

الى كل هذه المشهدية القاتمة، اتت الحرب الدائرة حاليا في المنطقة، والتي هي حرب عالمية بالوكالة، لتضيف الى مأسينا ما تيسر من المأسي التي تضرب بها الحروب الشعوب المغلوب على امرها.

الحياة اليومية في لبنان لا تشبة الحياة بأي شيء، سوى ان الناس تتحرك بحثا عن تأمين مأوى لها وبعضاً من القوت.

مراكز الايواء مزدحمة بالمهجرين الذين وصل عددهم الى ربع الشعب اللبناني، الفنادق مزدحمة بمن هم ميسورون منهم، الطرقات مزدحمة بالسيارات، حيث اصبح التنقل شديد الصعوبة عدا عن كونه محفوفا بالخطر، ومراكز التسوق لا تكاد تلبي حاجات الناس الخائفة من فقدان المواد الاستهلاكية، ومراكز الاستشفاء مزدحمة بجرحى الحرب، والضغط على استهلاك الكهرباء والماء على ارتفاع، كذلك الامر بالنسبة الى شبكات التواصل، واللائحة قد تطول.

اما الامر الذي يخيف الأمنين، والذي لا سلطة لاحد عليه، فهو القصف الذي يأخذ اشكالا مختلفة، والذي يطال الأبرياء الذين لا هم لهم سوى الحفاظ على كرامة وسلامة عائلاتهم.

تختلط إنذارت المعتدي بالشائعات، وترى الناس في حالة هلع عند ورود معلومات صحيحة او مفبركة حول احتمال وقوع غارات هنا او هناك، وما يزيد من هذا الهلع هو المشاهد التي ترد في الاعلام عن هدم منازل او إزالة قرى ومناطق من الخارطة اللبنانية.

لا شيء يدفع قيمة الانسان الى التدني مثل الحروب، صناعة طغاة السياسة والمال.

الانسان يفقد قيمته لان حياته وكرامته لا تساويان شيئا عند من يشغل آلة الحرب. بكبسة زر قد تباد مناطق وجماعات. لقد فضحت الحروب زيف من يدعون صيانة حقوق الانسان. لقد حولوا هذه القيمة العظيمة الى أداة نفاق وقهر وهروب من المساءلة.

ما يجري في لبنان اليوم تخطى كل تصور، ويقيننا ان باقي دول المنطقة التي طالتها هذه الحرب تعيش نفس المأساة، الا ان التأثير على لبنان هو أكثر نظراً لصغر حجمه وضعف مناعاته على مختلف الصعد.

الحياة اليومية في لبنان اشبه بالجحيم، حيث لا يمكن لإنسان تحمل ما يجري، واللبنانيون يستهلكون صحتهم واعصابهم ومالهم من اجل البقاء. ان قدرتهم على الاستمرار عالية، ولكن لكل شيء حدود.

في خضم كل ذلك، تحضرنا كلمات السيد "تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لَا تَخَافُوا"، وبه وبرسالته الخلاصية، نبع الرجاء، نعتصم.

Previous
Previous

عيد فطر مبارك

Next
Next

ندوة عالميّة عن بُعد حول عيد الخلق: عيد ليتورجي جديد، هديّة للألفيّة الثالثة