ضرورة الحرب والحلقة الأضعف

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

يتبارى المحللون في تفسير أسباب الحروب ومساراتها والنتائج التي سوف تفضي اليها، ويحاول الناس فهم الأسباب التي أدت الى قتل احباءهم او تشريدهم من بيوتهم وافقارهم ورميهم في أتون البؤس، معتقدين ان ما يرونه في الظاهر قد يشكل الجواب على تساؤلاتهم.

من جهة أخرى، تحاول العلوم الإنسانية تحليل او شرح الحروب في مجهود لاستخراج نظريات تعطي التأويل المناسب لهذا الجنون البشري الذي يسمونه الحرب، ولكن كل ذلك لا يمحي ولا يبرر المصائب التي تصيب البشر من جراء اجرام بعض البشر.

يذهب بعض البحاثة الى اعتبار الحرب احدى ضرورات المجتمع الصناعي او مجتمع الحداثة، وذلك انطلاقا من التبريرين التاليين:

أولا، ان الحرب هي ضرورة اقتصادية اذ انها تحرك عجلة الاقتصاد عبر الاستهلاك الحربي أولا، أي استعمال الذخائر والأسلحة، كما تحرك الاستثمارات بعد ن تضع الحرب اوزارها، على أساس انه لا بد من اعمار ما دمّر او اصلاح ما تضرر. لا أحد يذكر الضحايا في هذا السياق.

ثانيا، ان الحرب هي من ضرورات الحداثة، اذ عبرها تتفكك البنى الاجتماعية التي قد تكون بعض الفئات الاجتماعية قد ضاقت ذرعا بها، وتحل مكانها بنى جديدة ترضى عنها الفئات التي كانت تتململ من الأوضاع التي سلفت.

ان الفارق بين التأويلين هو انه في الحالة الأولى يكون المستفيد من الامر هو الفاعل في الحرب، ويجني بعد ذلك ما استطاع من المكاسب، اما في الحالة الثانية فان المستفيد يكون في اغلب الأحيان غير فاعل، بل يحصد بعض الثمر مما زرعه غيره. أي ان استفادته تأتي كعوارض جابية او مكاسب ثانوية بالنسبة الى المستفيد الأول.

هنا، لا بد لنا من التوقف عند النموذج الذي تسير على أساسه الحروب المتنقلة من مكان الى أخر في العالم.

لماذا تندلع الحرب في مناطق معينة من العالم وتنتقل الى مناطق أخرى، وهلم جرا، وما هي محددات الحروب في مختلف المناطق من العالم؟

هناك امران يحددان هذا المسار: توفر الموارد والدولة العميقة.

الدولة العميقة في العالم هي التي تحدد مسار الحروب على ضوء توفر الموارد، التي يمكن ان تكون طاقة، او ممرا جغرافيا او موقعا استراتيجيا، او مواد نادرة. قد يكون من سوء طالع الشعوب ان تتمتع ببعض من هذه الموارد.

الدولة العميقة هي التي تحدد الحرب والسلم في مجتمعنا الحديث، كما هي التي تقرر البقاء او الفناء او الازدهار او البؤس لهذه المجتمعات التي تشكل حلقات ضعيفة في التركيبة الدولية.

إذا اعتمدنا هذا المنحى في التحليل، لا بد لنا ان نفهم الكثير من أمور السياسة والحروب، لان السياسة هي حرب من دون أسلحة.

في هذا السياق نفهم حروبنا في المشرق الانطاكي، والتفتيت الذي خضع له، والامعان في التفتيت الذي ينفذ فيه حاليا. ان موارد هذه المنطقة، الإنسانية منها والمادية والجغرافية، قد جلبت عليها الويلات، وقد جعلتها ضحية التاريخ والجغرافيا، حيث انها عانت عبر كل تاريخها من كوارث الفتوحات والحروب وما يشتق عنها من نائبات تصيب البشر في حياتهم ومصيرهم.

ويبقى لبنان، بحكم تركيبته البشرية والدينية والسياسية والثقافية، الحلقة الأضعف في المشادات السياسية العسكرية التي تجري في المنطقة، وقد ذهب البعض الى التهكم على هذا الوضع قائلا انه أينما غيمت فان المطر ينزل علينا، علما ان المطر يجلب الوحول لا الارتواء عندما يكون المجتمع غير مهيأ للاستفادة من كرم الخالق، فتتحول عندها النعمة نقمة، ويرى المجتمع نفسه في تراجع مستمر.

ربي زودنا بحكمة كافية لنقّدر الوزنات التي تعطينا إياها ونضعها في خدمة الانسان على اسمك القدوس.

Next
Next

يا رب، امنحنا السلام والأمان