المشهد من نافذة وطن مأزوم

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

بينما يترقب اللبنانيون، وشعوب الشرق الأوسط عموما، ما يجري على ساحتهم، وينظرون الى الغد بتوجس وريبة، تتجه الأنظار الى المحادثات التي تجري في الولايات المتحدة الأميركية والتي يتأمل منها اللبنانيون، على المدى القصير، إيقاف الحمم التي ما زالت تنصب على رؤوسهم منذ أكثر من شهر، والتي قتلت وجرحت الالاف، وشردت ربعهم ودمرت مناطق واسعة من جنوب البلاد وضاحية عاصمتها.

الحياة اليومية في لبنان جحيم صامت، يعاني من تفاصيلها اللبنانيون اشد المعاناة، رغم انهم قد اعتادوا على شظف العيش، وقد ألفوا الصمت الناتج عن ملازمة العجز المكتسب، اذ أيقنوا بعد نصف قرن من حروب الأخرين على ارضهم، وبواسطتهم، ان لا شيء ينفع، وانه عليهم اما الـتأقلم واما الرحيل. فرحل من رحل، وبقي من بقي على مضض، ينتظر زمنا أفضل في وضع استسلامي لأمر واقع قد فرض عليهم، حيث أصبح المفروض واقعا لا جدل حوله.

وانطلاقا من القول "ان لا يلام الذئب في عدوانه إذا كان الراعي عدو الغنم"، فانه يمكننا القول ان الذئب قد تعدى وأمعن في التعدي من منطلق ان الذي يرعى مصائر ومصالح العباد قد أمعن هو أساسا في التعدي عليها، قصدا او اهمالا، من تفجير مرفأ بيروت الذي يحاط التحقيق به بكثير من الغموض والتستر، الى نهب أموال المودعين من المصارف وافلاس مجتمع برمته، الى افلاس الدولة وايصال مؤسساتها الى الحضيض، الى الفساد الذي يطال كافة قطاعات الشأن العام، والذي يهدد الاستثمار والنمو والتقدم في المجتمع اللبناني. من نافلة القول ان هذا الفساد يطال العديد من دول المنطقة وقد تمدد من هيئات القطاع العام الى ان يصبح ثقافة شعبية انتجت "مؤسساتها" الشعبية التي جعلت من الصعب محاربة هذه الظاهرة، وحتى لجمها. الفساد والخيانة، وانهيار منظومة القيم، وغياب المساءلة، تشكل العناصر الأساس في تدني مناعاتنا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والأمنية طبعا.

في هذا المشهد المأزوم، وشبح الحرب ما زال يخيم على المنطقة، يقوم ذوي الهامات الكبيرة والذين يتمتعون ببعد رؤية، بالوقوف بشجاعة واخلاق في وجه ما يجري، شاجبين ومنتقدين ما تقترفه ايادي ابليس بحق بني الانسان، وينطقون بكلمة الحق في وجوه السلاطين الجائرة في هذا العالم، ويتعرضون للتجريح وللمس بالكرامات. نخص بالذكر هنا ما جرى مع قداسة البابا لاوون الرابع عشر في وقوفه ضد الحرب و"قطع ارزاق" المتاجرين بحياة البشر عبر تجارة الأسلحة ومشتقاتها. لم يسلم قداسة الحبر الأعظم من هؤلاء الذين لا يعرفون لا حرمة مقامات ولا حرمة كرامات، فترَفع عن النزول الى قعر هؤولا، وبقي شامخا شموخ السيد امام جلاديه. لا بل بالعكس، نجده يقوم بزيارة تاريخية الى الجزائر في خطوة تتوخى هدفين ساميين، تمتين الوجود المسيحي العريق في ساحل المتوسط الافريقي، ودفع الحوار قدما في مجتمعات ذاقت مرارة الانقسام والعنف والإرهاب.

وهذا ليس بغريب على قداسة الحبر الأعظم الذي زار لبنان لشهور خلت، وكانت زيارته قد تمحورت حول الامرين نفسيهما، تمتين الوجود المسيحي والحوار. ويقيني ان زيارة قداسته الى الجزائر سوف تفعل في ذلك الجزء العزيز من بلاد العرب ما فعلته في لبنان، لان الشعوب العربية هي بالسليقة متوثبة للانفتاح وتحتاج الى من يمد يده اليها في رحلة حوار مباركة هي اساس مستقبل العلاقات بين البشر.

جزء من المشهد الإقليمي أيضا اننا مقبلون خلال الأيام القادمة على مناسبتين شديدتي الأهمية في فعليهما ورمزيتيهما.

المناسبة الأولى تقع في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، هي مجازر الأرمن التي بلغت ذروتها في بدايات القرن الماضي، بعد عقود من الاضطهاد والتنكيل، والتي ذهب ضحيتها أكثر من مليون ونصف من الشهداء. ما زال العالم يستعيد سنويا ذكرى هذه المجازر، وما زال الاعتراف بها يزداد عالميا، وقد تصل هذه القضية الى خواتيمها من عدة نواح، منها السياسي والحقوقي والاقتصادي والأخلاقي. لا بد من التذكير أيضا ان نفس المجازر قد امتدت الى السريان، الذين يستعيدون ذكرى مجازرهم، سيفو، في حزيران، كذلك مجازر الروم الاناضوليين، وملفات هذه المجازر لم تقفل بعد.

اما المناسبة الثانية فإنها تقع في الثاني والعشرين من الشهر الحالي، وهي خطف مطراني حلب بولس يازجي ويوحنا إبراهيم، وقد مضى على اختفاءهم ثلاثة عشرة سنة. المهم في مسألة اختفاء هذين الحبرين الجليلين ان ذلك يشكل ظاهرة مستشرية في منطقتنا حيث يعد المغيبون او المخطوفون بعشرات الألاف ولا امل في حل قريب لهذه المعضلة، اذ يتنصل جميع من يشتركون في النزاعات من المسؤولية تجام المدنيين الأبرياء الذين يشكلون الحلقة الأضعف في هذه النزاعات. لقد شكل المدنيون على الدوام الوقود الاسهل منالاً لمتعهدي الحروب وابادة البشر.

كل ذلك، وحرب غزة مستمرة، وابادة شعبها يجري على قدم وساق، امام صمت العالم المريب. ان ما يجري في غزة يندى له جبين الإنسانية التي سوف تحمل عاره للأجيال كثيرة، كما تحمل عار الابادات التي طالت شعوب مناطقنا منذ أكثر من قرن.

أيها السيد المخلص، المسيح الحي، ما اصدق ما اخبرتنا به حيث قلت "لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ وَزَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ." لقد حذرت الإنسانية من الأزمنة الرديئة وها هي توقع نفسها بها لشدة جشعها الى السلطة والمال. ابْنُ الإِنْسَانِ هذا، الذي "لَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" قد حول النعيم الذي وهبنا إياه الخالق الى جحيم، ولم يتعلم من دروس التاريخ شيئاً بعد.

امام هذا المشهد القاتم نسأل أنفسنا اين الخلاص؟

عندما لا تعود التدابير الأرضية تجدي نفعا، فليس لنا الا رحمة الرب، الذي تجسد وسفك دماءه كفارة عن ذنوبنا التي لا يبدو ان ليس لها نهاية.

Next
Next

الخطاب العام في زمن الحرب: نحو حوار للحد من خطاب الكراهية