الكراهية والأبلسة بين الخطاب والممارسة
ألقى الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس هذه الكلمة في الندوة الّتي نظّمها مجلس كنائس الشرق الأوسط عن بُعد تحت عنوان "الخطاب العام في زمن الحرب: نحو حوار للحد من خطاب الكراهية"، وذلك ضمن مبادرة "نور الرجاء"، يوم الأربعاء 22 نيسان/ أبريل 2026.
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، برزت ظواهر سلبية لها تأثير كبير على المجتمعات والأفراد، واخطرها على الاطلاق هي الأبلسة وخطاب الكراهية. هذه الظواهر ليست مجرد كلمات على الشاشة أو صور متداولة، بل تحمل قدرة حقيقية على تغيير تصوراتنا عن الآخرين، وخلق نمطيات جديدة ومشوهة، واحكام مسبقة، مما يؤدي الى نشوء سلوكيات مجتمعية عنيفة وخطيرة.
الأديان تعاملت مع هذه الظاهرة بشدة وحذرت الانسان من الوقوع في شرك هذه الخطيئة المميتة، ورغم ذلك فقد لازمت هذه الموبقة بني البشر طوال الدهر.
الأبلسة (demonization - dehumanization) هي عملية تحويل الإنسان أو مجموعة من الناس إلى كائنات أقل إنسانية، سواء في الحقوق، او في المشاعر، أو في القيمة الأخلاقية. بمعنى آخر، عندما تُعامل مجموعة معينة على أنها “أقل بشرية”، يصبح من السهل على الأفراد أو الجماعات ممارسة العنف أو التمييز ضدهم، لأنهم لم يعودوا يُنظر إليهم كبشر كاملين.
التاريخ القديم والحديث مليء بأمثلة عن الأبلسة، سواء في الحروب، أو خلال الاستعمار، أو خلال حقبات التمييز العنصري التي عانت منها الكثير من المجتمعات.
في الحروب، كانت الجماعات المعتدية تستخدم الخطاب الذي يقلل من قيمة الإنسان ويصفه بكلمات مثل "وحوش" أو "أعداء بلا عقل"، او بدائيين، او متخلفين، مما يسهل قتل المدنيين أو معاملتهم بلا رحمة. في الاستعمار، كان تصوير الشعوب المستعمرة على أنها أقل ذكاء أو ثقافة يبرر استغلالهم ونهب ثرواتهم. في العصر الحديث، تظهر الأبلسة عبر الإنترنت، حيث تُنشر صور أو مقاطع فيديو أو ميمز تقلل من قيمة جماعات بعينها، سواء لأسباب عرقية، او جنسية، او اجتماعية أو سياسية.
اما خطاب الكراهية هو أي تعبير لفظي، مكتوب، أو بصري يهدف إلى تحريض الأفراد على كراهية شخص أو جماعة ما أو الحض على الاعتداء عليهم بسبب هويتهم، او دينهم، او عرقهم، او اثنيتهم، او جنسيتهم، او ثقافيتهم، او فئتهم الاجتماعية، أو غيرها. خطاب الكراهية لا يقتصر على الكلمات وحدها، بل يشمل الصور، الرموز، والميمز التي تحمل رسائل تهين الآخرين وتدفع الى رفضهم أو حتى الاعتداء عليهم. هذا النوع من الخطاب يخلق بيئة سامة، تزيد من الانقسامات الاجتماعية وتضعف الثقة بين المجموعات المختلفة، فتضعف تاليا النسيج الاجتماعي.
هناك علاقة وثيقة بين الأبلسة وخطاب الكراهية. فالأبلسة تجعل قبول خطاب الكراهية أكثر سهولة، بل وحتى تبريره. لذلك، إذا تم تصوير جماعة معينة على أنها "خطر" أو "أقل إنسانية"، يصبح المجتمع أكثر قبولًا للاعتداء عليها، سواء لفظيًا أو جسديًا. في الواقع، هذا ما يحدث عند انتشار الشائعات التي تصور فئة معينة على أنها تهدد المجتمع أو لا تمتلك قيمًا أخلاقية، ما يبرر للعنف أو التمييز ضدها. هذه الدورة المدمرة تؤدي إلى تصاعد العنف، وانتشار العنصرية، وصعود التطرف، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.
الأسباب وراء انتشار الأبلسة وخطاب الكراهية متعددة، ومن أبرزها الجهل او نقص التعليم والتوعية، التضليل الإعلامي، ضعف التفكير النقدي، والبيئة الاجتماعية التي تتقبل التمييز. على الإنترنت، تلعب الخوارزميات دورًا كبيرًا في زيادة انتشار المحتوى المثير للانقسام. بسبب هذه التقنيات يحصل المحتوى العنيف أو المثير للجدل على تفاعل أعلى، ما يجعله أكثر ظهورًا ويزيد من قبول الناس له، حتى وإن لم يكونوا متعاطفين أصلاً مع هذا المحتوى.
اما مواجهة هذه الظواهر فيكون أولًا، عبر التعليم والتوعية، عبر بث قيم التسامح، والاحترام، والتفكير النقدي، وذلك منذ الطفولة. ثانيًا، عبر مكافحة التضليل، وهذا امر حاسم ولكنه شديد الصعوبة، لأن الأخبار الكاذبة غالبًا ما تغذي خطاب الكراهية وتزيد من الأبلسة. وتكون المواجهة، ثالثًا، عبر تشجيع الحوار المفتوح بين الجماعات المختلفة، لأن التفاعل المباشر يقلل الصور النمطية والمفاهيم المغلوطة عن الآخر. ورابعًا، عبر تطوير القوانين والتشريعات، وفرض عقوبات صارمة على خطاب الكراهية والتحريض على العنف، مع الحفاظ على حرية التعبير بشكل متوازن.
ختاما لا بد ان نؤكد أن الأبلسة وخطاب الكراهية ليسا مجرد ظواهر افتراضية على شبكات التواصل الاجتماعي، بل لهما تأثيرات حقيقية على المجتمع، بما في ذلك زيادة العدائية، وتدهور العلاقات بين المجموعات، وتقويض القيم الإنسانية الأساسية، وكل ذلك يؤدي الى العنف. لقد أصبحت هذه المشاعر مغروسة في أعماق النفس الإنسانية وتهدد السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي في المجتمعات التي لم تحسن التعامل معها. ان التصدي لهذه الظواهر مسؤولية جماعية تتطلب وعياً، وتعاطفًا، وعملًا مستمرًا من الجميع لبناء ثقافة القبول بالتنوع والتمايز، التي تنتج مجتمع أكثر عدلًا وسلامًا.
في سياق التوقف عند الاشكال التطبيقية لهاتين الظاهرتين، لا بد لنا ان نذكر حدثين هامين جدا يصدف تاريخ ذكراهم هذا الأسبوع، هما مجازر الأرمن، وخطف مطراني حلب.
مجازر الأرمن
مجازر الأرمن حدثت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث تعرضت الجماعات الأرمنية في الدولة العثمانية لموجة عنف منظمة وممنهجة، وحيث تم قتل وتهجير مئات الآلاف من الأرمن من قراهم ومدنهم، مع تعريضهم لشتى صروف التعذيب، من المجاعة الى الاعتقال التعسفي وغيرها من اشكال الفتك. لقد نتج عن تلك الاحداث أن أكثر من مليون ونصف مليون أرمني فقدوا حياتهم خلال هذه الفترة وهاجر الملايين منهم.
كان الهدف من المجازر والأعمال الوحشية القضاء على وجود الأرمن في مناطقهم التاريخية، وتحقيق تغيير ديموغرافي بالقوة. استخدمت السلطات العثمانية طرقًا منهجية، مثل عمليات الإعدام الجماعي، المسيرات القسرية في الصحراء، وسلب الممتلكات. لقد كان الامر مشروع تطهير عرقي بكل ما للمفهوم من معنى.
لم يكن من الممكن تحقيق ذلك لولا الأبلسة التي طالت الأرمن، وغيرهم من رعايا السلطنة العثمانية، وخطاب الكراهية الذي رافقها، وذلك يفسر أيضا اشكال العنف والتعذيب والقهر الذي تعرض له الشعب الحضاري الأرمني.
لقد شكلت هذه الأحداث صدمة عالمية وأثرت على الذاكرة الجماعية للأرمن وللانسانية، وأسست لحركة المطالبة بالاعتراف الدولي بالمجازر كجريمة إبادة جماعية. ذكرى مجازر الأرمن ليست مجرد توثيق للماضي، بل تحذير مستمر من مخاطر الأبلسة وخطاب الكراهية والعنصرية، ودعوة للسلام وحقوق الإنسان، والتأكيد على أهمية عدم تكرار مثل هذه الجرائم في أي مكان.
خطف مطراني حلب
اما خطف مطراني حلب، يوحنا إبراهيم وبولس يازجي، فيُعد جريمة هزت المجتمع المسيحي في سوريا والمشرق الانطاكي. هذا الحدث يعكس الظروف الصعبة التي تواجه رجال الدين والمجتمعات الدينية في مناطق النزاع، حيث يصبح الرعاة هدفًا للمجموعات المسلحة لأسباب سياسية أو مالية أو لترويع المجتمع المحلي. هذا في الظاهر، اما باطن الأمور، والمسوغ لهكذا ممارسات، فهي الصور النمطية التي تتكون حول رعاة الكنيسة، والتي تجعلهم عرضة لأبلسة ولخطاب كراهية.
خطف المطران لم يقتصر على الشخص نفسه، بل أثر على الكنيسة بأكملها، وخلق حالة من القلق والخوف بين المؤمنين، كما بين أبناء الشمال السوري عامة، لما لهذين الراعيين من مكانة عند أبناء المنطقة على اختلاف اطيافهم.
لا بد من تدخل المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية لضمان الإفراج عن المختطفين والمغيبين قسرا، ومحاسبة المسؤولين عن مثل هذه الجرائم. ولكن لا بد ان نلفت النظر أيضا الى ان الخطف، خطف أي انسان، هو نتيجة خطاب كراهية قد طاله او طال المجموعة التي ينتمي اليها. هنا تبرز أهمية التضامن المجتمعي والحوار بين مختلف الأطراف لحماية حقوق الإنسان، وضمان سلامة الناس على مختلف انتماءاتهم، ومنع الصور النمطية عنهم ومنع أبلستهم. هكذا فقط نحافظ على نسيج المجتمع الديني والثقافي في المناطق المتأثرة بالنزاعات، ونصون السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي.
وبما ان الشيء بالشيء يذكر، لا بد لنا ان نذكر ان مجلس كنائس الشرق الأوسط قد أطلق، من ضمن برامج الحوار والتماسك الاجتماعي، وحفظ الكرامة الإنسانية وصيانة رأس المال الاجتماعي، برنامجا لمحاربة الأبلسة وخطاب الكراهية، وسوف يعقد هذا البرنامج مؤتمره الدولي الأول قبل نهاية العام في مصر الشقيقة.
المسار طويل، والتحديات كثيرة، وفي عملنا هذا نستلهم السيد المتجسد ونراه واقفا بين الجموع على الجبل قائلا لهم:
سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فأقول لكم أحبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا الى مبغضيكم. وصلّوا لأجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم. لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السماوات. فانه يشرق شمسه على الاشرار والصالحين ويمطر على الابرار والظالمين.
ويبقى تحدي المحبة أخطر التحديات!