في انطاكية، حاضر يحاكي الذاكرة والمستقبل
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
في كنائسنا الشرقية المشرقية، تؤمن الذاكرة دورا أساسيا في تماسك الجماعة المؤمنة واستمرارها على معتقدها، كما على طقوسها وتقاليدها.
في مشرقنا الانطاكي، كما في الاناضول، وجود، جرت في الماضي محاولات حثيثة لاجتثاثه، من مجار الأرمن، الى مجازر السريان، سيفو، الى مجازر الروم الاناضوليين، التي حصدت الملايين من الضحايا والمشردين، ودمرت جزءا كبيرا من حضارات هذه الشعوب، وافرغت مساحات شاسعة من اوطانها التاريخية، حيث جذورها ضاربة في العمق منذ ما قبل التاريخ الجلي.
غبطة البطريرك يوحنا العاشر، الكلي الطوبى، ثالث عشر الرسل القديسين الابرار، يعي تماما هذا الواقع، ويعيشه في ماضيه كما في حاضره، ويتعامل معه من منطلق، ليس فقط إبقاء الذاكرة حية، بل ربطها بالواقع، وجعلها سندا لمستقبل يريده صامدا ومستمرا حتى انقضاء الدهر.
نجده في كل ما يقوم به، وكل ما يقوله، يجعل المؤمنين واعين ذاكرتهم تماما، ويُدَعّم حاضرهم بالثقة المطلوبة للاستمرار، كما يفتح لهم آفاق مستقبل يريده واعدا بالحضور والدور.
في دمشق، في المريمية، حيث البطريركية، في تل كوكب، حيث ظهر السيد المتجسد على شاوول، في مختلف مناطق لبنان، واليوم في شمال المشرق الانطاكي، عبر الزيارة الابوية المباركة التي قام بها الى مرسين، وأنطاكية والاسكندرون.
في مرسين، استرجع صاحب الغبطة التاريخ، محاطا بأساقفة المجمع المقدس، وقام بسيامة الاسقف بولس الطرسوسي، تيمناً برسول الأمم، بولس، الذي كان له الدور الأكبر في نشر العقيدة الخلاصية في العالم.
يعتبر صاحب الغبطة ان أنطاكية قد " قالت كلمتها، أرض القديسين، مهد الثقافة والايمان والشهادة" وإنها قد "جددت العهد لبولس الرسول الطرسوسي الأنطاكي" عبر "رسامة قدس الأرشمندريت بولس اوردولوغلو أسقفاً على طرسوس". ويوضح غبطته انه قد أعطاه "لقب أسقف طرسوس، لان طرسوس هي المدينة التي ولد فيها الرسول بولس" في "دلالة مهمة لأن بولس الرسول الطرسوسي الانطاكي هو الذي نقل بشارة يسوع المسيح الى كل أنحاء العالم." كذلك حمّله غبطته مسؤولية تاريخية قائلا " لذلك نصلي أن يواصل الأسقف الجديد رسالته بكل ما أؤتي من وزنات لأنه مثال في الإيمان والعطاء".
بكلمات بسيطة، مختصرة، حمّالة المعاني، كما عادته، ربط غبطته ماضيا سحيقا ومجيدا، بحاضر صامد، بمستقبل واعد، كلمات حاكتها هتافات الحضور بأعلى صوتها، أكسيوس، مستحق!
لقد اصطف جمهور المؤمنين وراء الراعي الكبير في تحميل الاسقف المنتخب، بولس الطرسوسي، مسؤولية الوزنات التي اوتيها، وهو مثال في الايمان والعطاء. نجده يقول له عندما سلمه عصا الرعاية "إقبل هذه العصا وتقوَّ، هذه عصا وداعة ومحبة، هي شعب تتكئ عليه وتقوى به كما يتقوى تماماً هو بك، هي عصا حكمة ورويّة تستمدها من الانجيل، هي عصا خدمة ومسؤولية".
وفي تشديد على عمق جذور الايمان الخلاصي وصلابته في وجه انواء الزمن، ها هو صاحب الغبطة يذكر اننا "نحن أبناء كنيسة أنطاكية، نحن أبناء هذه الأرض التي عبرت مخاض التاريخ وسلمتنا إيمان أجدادنا منقوشاً في الحجر كما في البشر. نحن أبناء هذه الأرض التي عانقت أقدام الرسل والقديسين. نحن أبناء أنطاكية العظمى التي جدلت للعالم اسم" مسيحيين" وأرقصته نغماً على شفاه الأجيال".
بهذه الكلمات التاريخية خاطب البطريرك يوحنا العاشر أبناء هذه المنطقة العزيزة على قلب كل مسيحي في العالم، حيث دعوا مسيحيين أولا، ذاكرا مخاض التاريخ، والايمان المنقوش في الحجر كما في البشر على تعاقب الأجيال، كما يورد في مكان آخر " إن الهواء الذي نتنفسه والقلب الذي بداخلنا يفيض من أنطاكية".
كما العادة في زياراته الرعوية، يفد المؤمنون من كافة اصقاع المعمورة لملاقاة حبر الكنيسة والسلام عليه وتلمس بركته. لقد كان الحضور الشعبي وازناً، والاقبال على الصلاة حافلا، كما كانت الزيارات التي قام، وما زال يقوم بها صاحب الغبطة، ذات رمزية وفعل عاليين. انها علامة فارقة في تاريخ جولات راعي انطاكية.
وكما العادة، تكون المواكبة والحضور رسميين، تعبيرا عن الاجلال الذي تكنه المراجع الرسمية لقائد كنيسة عرف كيف يتعامل مع التحديات الإقليمية في أحلك الظروف ودون أي تنازل من مقام انطاكية وبطريركها.
ختاما، لا بد ان نذكر هنا ان بعد الرؤية، والعقل الاستراتيجي، هما مكونين أساسيين من حكمة بطريرك الحكمة والمحبة، يوحنا العاشر، الفائق الاحترام، وقد تجلى ذلك مرارا وتكرارا في ادارته لمختلف الملفات الداخلية والخارجية التي تعامل معها في قيادته لكنيسة انطاكية.
في هذا الزمن المصيري الذي تمر به منطقتنا التي تجتاحها رياح التغيير، مترافقة مع موجات العنف، لا بد للكنيسة ان تكون واعية للتقلبات التي تجري في محيطها، وان تحسن قراءتها وتفسيرها، حفاظا على ملح الأرض في المنطقة التي نشأ فيها، اذ ان للمسيحيين دورا فاعلا في استقرارها ونهضتها.
مباركة هي مملكة الأب التي تحفظ بني الانسان، وتجعل له حياة أفضل، ومباركون الرعاة الذي يحفظون هذه المملكة ويصونونها.