الكنيسة تغسل أرجل الحفاة

من وحي الحياة اليومية في المشرق الانطاكي ووادي النيل

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

انه خميس الأسرار.

العلية.

المسيح يخلع رداءه، يشد المنديل، وينحني ليغسل أرجل تلاميذه. بطرس يرفض، فيسمع الجواب القاسي: "إن لم أغسلك، فليس لك معي نصيب" (يو 13: 8).

هذه ليست حادثة تاريخية فقط. هي ارشاد إلهي وبرنامج عمل.

عندما نقول ان "الكنيسة تغسل أرجل الحفاة"، فإننا نشير الى أن جوهر الخدمة الاجتماعية في الكنسية هو هذا الانحناء المتعمّد نحو من أنهكهم الطريق.

انه قلب لمنطق السلطة: "من أراد أن يكون أولاً فليكن للجميع خادماً" (مر 10: 44). الكنيسة تُقاس على قدر انحناء قياداتها.

جوهر القول ان السلطة في الكنيسة ليست تسلّطا. هي دياكونيا، خدمة.

"غسل أرجل الحفاة" يعني تلمس جرح المتعبين وثقيلي الاحمال مباشرة، بلا وسيط، بلا إذلال.

غسل الأرجل يعني انني انحني حتى أصبح بمستواك، والمس وجعك بيدي.

قداسة البابا فرنسيس سمّاها "كنيسة الحقل الميداني". هي تطلع من الهيكل، وتتسخ بالتراب، وتلمس الجراح.

المعنى اللاهوتي لهذا الامر واضح لا لبس فيه: من يرفض خدمة الكنيسة، أو من يرفض ان يُخدم، فانه لم يفهم سرّ الإفخارستيا.

القداس الذي لا يكتمل بخدمة الحفاة، يستحيل طقساً فارغاً.

"مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أعمال 20: 35)

انما قبل العطاء، عليك ان تنحني لأنك لا تعرف ان تعطي بالشكل الصحيح إلا إذا لَمَسَت يدك التراب الذي على أرجل الحفاة.

في الشرق الأوسط الكنيسة تغسل الارجل، وإذا ارادت ان تبقى كنيسة فلا بد ان تظل منحنية،

لأن المسيح لم يصعد على الصليب قبل ان ينِزل على الأرض ويغسِل الارجل.

الآباء فهموها جيداً. يوحنا الذهبي الفم صرخ: "أتريد أن تكرّم جسد المسيح؟ لا تهمله عرياناً. المذبح تصنعه من ذهب، والمسيح يموت من البرد على الباب" (العظة 50)

يتجسد غسل الارجل بصندوق رحمة يؤمّن دواءً لمريض، "كنت جائعاً فأطعمتموني"(متى 25: 35)،

بمطبخ شعبي يؤمن وجباتٍ ساخنة يومية للنازحين والمعدمين والعجزة والمعاقين، فالسيد قد "أخذ الأرغفة وشكر ووزع"(يو 6: 11)،

بمستوصف مجاني وطبيب متطوع، وممرضة راهبة، ودواء من تبرعات "لأَشفي منكسري القلوب"(لو 4: 18)،

بالاستماع، ساعة يجلس فيها الكاهن الى انسان في حالة الانهيار، "ابكوا مع الباكين" (رو 12: 15)،

بالمناصرة، ملاك الابرشية يفاوض على ممر إنساني، يرسل رسائل للهيئات الدولية "افتح فمك اِقضِ بالعدل وحام عن الفقير" (أم 31: 9)،

بالصمود، القسس والكهنة في جنوب لبنان، وفلسطين، والسودان لم يغادروا مع من غادر، "الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف"(يو 10: 11)،

إذا بقيت الكنيسة في القصر والزجاج الملوّن، فهي لم تغسِل أرجل أحد، والا تحوّلت الى هيئة حكومية مجردة من العقيدة. تصبح باردة.

يمثّل مشهدُ غسل الأرجل في العِلية امراً محورياً في فهم ذات الكنيسة ورسالتها. عندما انحنى المسيح ليغسل أرجل تلاميذِه، لم يقدّم طقساً عابراً، بل أسّس لمعيار أخلاقي ولاهوتي يحدّد طبيعة السلطة داخل الجماعة المؤمنة. فالسلطة، في منطق الإنجيل، لا تُفهم كسيطرة أو تشرّف، بل تفهم كخدمة تنحني إلى مستوى الحاجة الإنسانية الأكثرَ تواضعاً.

إن قول "الكنيسة تغسل أرجل الحفاة" يحمل دلالة مجازية واضحة، فـ"الحفاة" هم أولئك الذين أنهكتهم طريق الحياة، سواء بسبب الفقر المادي، أو النزوح، أو المرض، أو الانهيار الاجتماعي. و"غسل الأرجل" هو تعبير عن مجموع الممارسات التي تدخل ضمن الخدمة الاجتماعية للكنيسة، أي الدياكونيا. لهذا المعنى المجازي أسسه اللاهوتية، وملامحه العملية، والشروط التي تجعل منه فعلاً كنسياً أصيلاً لا مجرد نشاط إغاثي عابر.

العائلات التي فقدت مدخراتِها في انهيار المصارف في لبنان، النازحون قسراً من قرى الجنوب، معذبو ومهجرو غزة والشام والعراق والسودان، المرضى العاجزون عن تأمين دوائهم، كبار السن المتروكون بلا معيل، والشباب الخريجون العاطلون عن العمل.

السمّة المشتركة لهؤلاء هي فقدان القدرة على السير بكرامة، على اخذ مصيرهم بيديهم. فـ"الحفاة" هم من لا يملكون خياراً. وحين تتحول الكرامة إلى ترف، يصبح تدخل الكنيسةِ ضرورة لاهوتية قبل أن يكون عملاً خيرياً.

"غسل أرجل الحفاة" ليس شعاراً خطابياً، بل برنامج عمل مستمد من صميم العقيدة المسيحية. في زمن انهيار البنى، يصبح هذا الفعل شهادةً مصدّقةً على أن الكنيسة لم ولن تتخلَّ عن العالم، ولم تختزل نفسها في طقوس منعزلة.

إن الكنيسة التي تنحني لتغسِل أرجل المتعبين، هي الكنيسة التي تحفظ لنفسها حق الجلوس إلى مائدة الرب. فالخدمة والعبادة وجهان لحقيقة واحدة: اللّه الذي انحنى في التجسد، يدعو كنيسته إلى أن تنحني معه.

بهذا المًعنى، تظل صورة المسيح المنحني والوعاء والمنديل رمزاً لا يبطل. فحيثما وُجد إنسان منهك على الطريق، هناك تكون الكنيسة، وهناك موضع ليديها، وهناك يكون المسيح حاملا صليب خلاص الإنسانية الضائعة، المعذبة، لكي يسير بها الى حياة أفضل.

Next
Next

فيديو - مداخلة عبر منصة مجلس كنائس الشرق الأوسط مع الاب د. ألبير هشام نعوم، مدير مكتب إعلام البطريركية الكلدانية