الأخ نور: القدوة في الزهد والقيادة والإنجاز

في أربعين رقاده

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

حين يجتمع الزهد مع القيادة، يولد نموذج نادر يصعب تكراره. وهذا ما يجسده الأخ نور في مسيرته، حيث لم يكن المنصب يومًا غاية، بل وسيلة لخدمة الناس وتحقيق الأثر.

في زمن تميل فيه الأضواء لمن هو أكثر سلطة، يبرز نموذج مختلف لا يحتاج ضجيجاً ليُسمع. نموذج يجعل من الصمت عملاً، ومن التواضع قوة، ومن الإنجاز ردّاً على كل سؤال. هذا هو نموذج الأخ نور.

الزهد هو قوة خفية تصنع الهيبة.

الزهد لا يعني الفقر ولا الانعزال. عند الأخ نور، الزهد كان انضباطاً نفسياً قبل أن يكون سلوكاً ظاهرا.

زهد في المظهر وزهد مترافق مع القرب من الناس.

زهده لم يكن انعزالًا، بل تجرداً من المظاهر التي تفصل القائد عمن يعمل معهم. الأخ نور عُرف ببساطته وتواضعه، فكان أقرب إلى الفريق منه إلى الكرسي. هذا القرب كسر الحواجز وفتح باب الثقة، لأن الناس لا تتبع الألقاب، بل تتبع من يشعرون بصدقه.

زهده كان في المكانة، اذ لم يبحث عن الظهور أو التصدر في الصور والمناسبات. كان يترك المساحة لغيره، فكبر في عيونهم أكثر.

زهده كان في الكلام، اذ هو قليل الكلام، كثير الفعل. وهذا أعطى كلامه وزناً. حين يتكلم، يستمع الجميع، لأنهم يعرفون أنه لا يتكلم إلا لحاجة.

زهده كان ايضا في المكافأة، اذ لم يربط عطاءه بما يعود عليه. فكان العطاء خالصاً، والناس ترد ذلك بالولاء والاحترام.

هذا النوع من الزهد يبني "هيبة صامتة". لا تُفرض بالسلطة، بل تُكتسب بالموقف.

القيادة خدمة قبل أن تكون سلطة.

القيادة عند الأخ نور لم تكن هرماً يعلو فوق الناس، بل دائرة يتحرك في مركزها ليخدم الجميع.

هي قيادة بالفعل قبل القول.

القيادة عند الأخ نور لم تكن توجيهًا من بعيد، بل حضورًا ومشاركة. من طبيعة القادة الحقيقيين أنهم أول من يتحمل المسؤولية وآخر من يطلب التقدير. في المواقف الصعبة كان حاضرًا، وفي النجاح كان يرجع الفضل للرب وللفريق العامل معه ولمن ساند هذا العمل. هذا النوع من القيادة يبني ولاءً لا تهزه الظروف.، لذلك كان الولاء له مطلقا، بمحبة وليس قهرا.

القيادة عنده بالمثال، اذ لم يطلب شيئاً لم يفعله بنفسه. إذا كان هناك عمل صعب، كان أول المبادرين. الناس تتبع من يرى عرقه قبل أن يسمع أمره.

القيادة عنده بالاستماع، اذ كان يخصص وقتاً ليسمع حتى أبسط أعضاء الفريق. هذا جعله يلتقط المشاكل قبل أن تكبر، ويُشعر الناس أن رأيهم مهم.

القيادة عنده تبرز في الأزمات، في المواقف الحرجة حيث لا يظهر التوتر عليه. هدوؤه كان ينتقل للفريق، فيتحول الخوف إلى تركيز، والارتباك إلى خطة عمل. كان يتمتع بطمأنينة المؤمن.

القيادة عنده هي "قيادة الخادم"، حيث الهدف هو تمكين الآخرين لا السيطرة عليهم.

اما الإنجاز فهو أثر يبقى بعد الرحيل.

الإنجاز الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد المشاريع، بل بمدى استمرار أثرها بعد أن تنتهي المهمة.

الإنجاز ثمرة الاتزان.

الزهد يمنع التشتت، والقيادة توجه الجهد. والنتيجة كانت إنجازًا ملموسًا على الأرض. سواء في المشاريع أو في بناء العلاقات، كان التركيز دائمًا على الأثر لا على الشكل. والإنجاز هنا لم يُقاس بالضجيج الإعلامي، بل بالتغيير المستدام الذي بقي بعد انتهاء المهمة.

إنجازه مؤسسي بامتياز، اذ هو بنى أنظمة وعلاقات لا تعتمد على شخصه. فاستمرت المؤسسة تعمل بكفاءة حتى في غيابه.

إنجازه بشري حيث استثمر في الناس. كثر ممن عملوا معه أصبحوا قادة في أماكن أخرى، وهذا أكبر إنجاز يقاس به القائد.

إنجازه أخلاقي، اذ ترك سمعة وسيرة نظيفة في بيئة قد يختلط فيها العمل بالمصالح. وهذا رأس المال الذي لا يفنى.

نور هو درس في القيادة الهادئة.

الأخ نور يعلمنا أن القيادة تحتاج إلى ثلاثة أشياء، قلب زاهد لا يتعلق بالدنيا، وعقل قيادي يرى الصورة الكبيرة، ويد عاملة لا تتوقف عن الإنجاز.

الأخ نور يقدم نموذجًا للقيادة الهادئة المؤثرة. نموذج يجمع بين صفاء النية، وحكمة الإدارة، وصمت الإنجاز الذي يتكلم عنه الناس بعده.

هو استلهم السيد المتجسد في كل ما فعل، فصمته في حضوره وغيابه، كان مدويا.

Previous
Previous

مجلس كنائس الشرق الأوسط يصدر نشرته الأسبوعيّة

Next
Next

قافلة مساعدات إنسانيّة من مجلس كنائس الشرق الأوسط إلى جنوب لبنان