سيفو والعدالة والذاكرة
من منظور مجلس كنائس الشرق الأوسط
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
يقرأ مجلس كنائس الشرق الأوسط مجازر سيفو بوصفها جرحًا عميقًا في ذاكرة الكنائس المشرقية، لا يخص جماعة واحدة فقط، بل يطال الوجدان المسيحي والإنساني في هذا الشرق. فالسريان والآشوريون والكلدان حملوا في ذاكرتهم ألم السيف والتهجير والاقتلاع، لكن هذا الألم يتجاوز حدود الانتماء الكنسي أو القومي، لأنه يمسّ الكرامة الإنسانية في جوهرها.
من هنا، لا نتعامل مع سيفو كملف تاريخي مغلق، بل كذاكرة حيّة تدعونا إلى التأمل في معنى الحضور المسيحي في الشرق، وفي معنى العدالة، وفي مسؤولية الكنائس تجاه الحقيقة. إنّ حفظ هذه الذاكرة لا يعني أن نبقى أسرى الماضي، بل أن نحمي الإنسان من تكرار المأساة، وأن نحول الألم إلى شهادة، والشهادة إلى التزام أخلاقي وكنسي.
الذاكرة، إذا بقيت ألمًا فقط، قد تتحول إلى حزن صامت أو إلى جرح مغلق. أما عندما تتحول إلى شهادة، فإنها تصبح قوة روحية وأخلاقية تحفظ الحقيقة وتمنع النسيان. لذلك، من واجب الكنائس أن تنقل ذاكرة سيفو إلى الأجيال الجديدة لا بوصفها دعوة إلى الخوف أو الانغلاق، بل بوصفها دعوة إلى الثبات والرجاء والمسؤولية.
إنّ الحضور المسيحي في الشرق لا يُحفظ فقط بالمباني والمؤسسات، بل يُحفظ أيضًا بالذاكرة، باللغة، بالشهادة، وبالقدرة على تحويل المعاناة إلى فعل حياة. وسيفو يذكّرنا بأنّ الكنيسة التي تألمت بقيت، وأن الجماعات التي تعرّضت للقتل والتهجير ما زالت تشهد لإيمانها وثقافتها ورسالتها في هذا الشرق.
اما المصالحة الحقيقية فهي لا تُبنى على النسيان ولا على تجاهل الجراح، بل على الاعتراف بالحقيقة واحترام ذاكرة الضحايا. لا يمكن لأي مجتمع أن يتصالح مع تاريخه إذا بقيت المآسي الكبرى موضع إنكار أو تهميش. الاعتراف ليس عملًا انتقاميًا، بل هو خطوة أخلاقية وإنسانية تعيد للضحايا كرامتهم، وتفتح الطريق أمام علاقات أكثر صدقًا بين الشعوب.
من هنا، فان العدالة والاعتراف ليسا نقيضًا للمصالحة، بل هما شرط من شروطها. فالصفح المسيحي لا يعني محو الحقيقة، والرجاء لا يعني إلغاء الذاكرة. نحن ندعو إلى مصالحة قائمة على الصدق، لا على الإنكار؛ وعلى الكرامة، لا على طمس الألم؛ وعلى بناء المستقبل، لا على تكرار الظلم.
اما المسؤولية الكبرى الملقاة اليوم على عاتق الكنائس فهي أن تنقل الذاكرة إلى الأجيال الجديدة بلغة تربوية وروحية لا تختصر التاريخ بالألم، وان لا تحوّل الجرح إلى انغلاق. يجب أن نعلّم أبناءنا أنّ معرفة سيفو ليست دعوة إلى الكراهية، بل دعوة إلى الوعي. فالذي يعرف تاريخه يصبح أكثر قدرة على حماية هويته، وأكثر قدرة على احترام هوية الآخر.
يمكن أن يتم ذلك من خلال المناهج التعليمية، اللقاءات الشبابية، الأفلام الوثائقية، الندوات، المعارض، والأرشيف الرقمي. كما يجب ربط هذه الذاكرة بقيم الرجاء والثبات والكرامة. المطلوب أن نقول للشباب: لقد تألمنا، لكننا لم ننتهِ؛ هُجّرنا، لكننا لم نفقد رسالتنا؛ استُهدفنا، لكننا بقينا شهودًا للحياة في هذا الشرق.
ان حفظ الذاكرة التاريخية هو جزء أساسي من صون الحضور المسيحي. فالإنسان الذي تُمحى ذاكرته يصبح أكثر عرضة للاقتلاع، والجماعة التي تفقد روايتها تصبح مهددة بفقدان هويتها ورسالتها. لذلك، فإنّ حفظ ذاكرة سيفو ليس عملًا ماضويًا، بل هو فعل حماية للحاضر والمستقبل.
في المشرق الانطاكي، لا يزال الحضور المسيحي يواجه تحديات كبرى: الهجرة، الخوف، التراجع الديمغرافي، الأزمات الاقتصادية، وضعف الثقة بالمستقبل. في هذا السياق، تصبح الذاكرة عنصر ثبات، لأنها تقول للأجيال الجديدة إنّ وجودهم في هذه الأرض ليس طارئًا، بل هو حضور متجذر، دفع ثمنًا كبيرًا، ولا يزال مدعوًا إلى الشهادة والمشاركة في بناء أوطان عادلة.
نحن اليوم احوج ما نكون إلى مقاربة مسكونية مشتركة. فالآلام التي عرفتها الكنائس الشرقية في بدايات القرن العشرين لم تكن آلامًا منفصلة تمامًا، بل كانت جزءًا من جرح مشرقي واسع طال جماعات مسيحية وغير مسيحية متعددة. لكل كنيسة خصوصيتها، ولكل جماعة روايتها وذاكرتها، لكنّ الألم المشترك يدعونا إلى شهادة مشتركة.
المقاربة يجب ان تكون مسكونية، وهي لا تلغي خصوصية كل جماعة، بل تحفظها ضمن أفق أوسع. عندما يذكر السرياني ألمه، ويذكر الآشوري ألمه، ويذكر الكلداني ألمه، ويذكر الأرمني ألمه، وروم الاناضول اوجاعهم، فإننا لا نجمع الجراح للمقارنة بينها، بل لنقول إنّ كرامة الإنسان واحدة، وإنّ الشهادة المسيحية في الشرق واحدة في عمقها الروحي والإنساني.
في نفس السياق، يجب تحويل ذكرى سيفو إلى مساحة لقاء من خلال تنظيم صلوات وندوات ومبادرات مشتركة تجمع الكنائس المعنية، لا بهدف إلغاء خصوصية كل ذاكرة، بل بهدف بناء ذاكرة كنسية جامعة. فالجرح عندما يُحمل منفردًا يصبح أثقل، أما عندما يُحمل جماعيا فإنه يتحول إلى شهادة مشتركة.
يمكن لمجلس كنائس الشرق الأوسط أن يسهّل هذا اللقاء من خلال مبادرات توثيقية، أيام دراسية، لقاءات شبابية، ومعارض أرشيفية مشتركة. الأهم أن تنتقل الذاكرة من الانغلاق داخل الجماعة إلى الانفتاح على الكنائس الأخرى، ومن الحزن الخاص إلى الالتزام المشترك بحماية الحضور المسيحي والكرامة الإنسانية في الشرق.
دور مجلس كنائس الشرق الأوسط في هذه السياق، والشيء بالشيء يذكر، فقد بدأ مع تأسيسه واستمر مع امينه العام الحالي منذ كان باحثا جامعيا حيث وثق الحضور والمجازر التي طالت أهلنا في الشمال الانطاكي ووضعها في خدمة التضامن المسكوني.
إنّ ذاكرة سيفو ليست منفصلة عن واقعنا المعاصر. فالمنطق الذي يقود إلى الإبادة أو المجزرة يبدأ غالبًا بخطاب كراهية، بأبلسة الآخر، وبنزع إنسانيته، ثم يتحول لاحقًا إلى عنف وتهجير وإقصاء. لذلك، فإنّ استذكار سيفو يجب أن يكون مدخلًا للتوعية ضد كل أشكال الكراهية والتطرف والعنف ضد الجماعات الدينية والإنسانية.
يمكن للمجلس أن يربط هذه الذاكرة ببرامجه حول الكرامة الإنسانية، والحوار، والتماسك الاجتماعي، ومواجهة خطاب الكراهية. فالكنائس ليست فقط حارسة للذاكرة، بل هي أيضًا شاهدة للإنسان، ومدافعة عن حقه في الحياة والحرية والكرامة. ومن هنا، يصبح استذكار سيفو التزامًا بحماية كل إنسان مهدد اليوم، أيًا تكن هويته أو طائفته.
إضافة الى ذلك، يستطيع مجلس كنائس الشرق الأوسط أن يساهم في حفظ ذاكرة سيفو من خلال إطلاق عمل توثيقي مشترك بين الكنائس المعنية، يقوم على جمع الشهادات، الوثائق، المخطوطات، الصور، الروايات الشفوية، والدراسات التاريخية. فالذاكرة حين تبقى متفرقة في العائلات أو الأديرة أو الأرشيفات الخاصة تكون مهددة بالضياع، أما حين تُحفظ ضمن إطار مؤسسي، فإنها تصبح جزءًا من الذاكرة الكنسية الجامعة.
كما يمكن للمجلس أن يشجع على التعاون بين الكنائس والجامعات ومراكز الأبحاث لإخراج سيفو من دائرة الذاكرة العاطفية فقط إلى دائرة البحث العلمي. والمهم أن يُحفظ هذا الملف بروح الحقيقة والكرامة، بعيدًا عن التسييس أو الاستخدام الأيديولوجي، لأنّ الضحايا يستحقون أن تُروى قصتهم بأمانة ووقار.
ان حجر الزاوية لهذا الامر متوفر.
ختاما، لا بد ان نؤكد ان رسالتنا الأولى الى اهل شمال المشرق الانطاكي المذبوح هي رسالة وفاء واحتضان. نقول لأبناء الكنائس السريانية والآشورية والكلدانية، كما لروم الاناضول: إنّ ألمكم هو ألمنا، وذاكرتكم هي جزء من ذاكرة كنائس الشرق الأوسط كلها. إنّ دماء الضحايا، ودموع المهجّرين، وصمود الناجين، ليست صفحات منسية، بل هي شهادة حيّة على إيمان متجذر وكرامة لا تُمحى.
ونقول أيضًا إنّ حفظ الذاكرة يجب أن يقودنا إلى مزيد من الوحدة، لا إلى مزيد من الانقسام؛ إلى مزيد من الحضور، لا إلى الاستسلام لفكرة الزوال؛ إلى مزيد من العمل من أجل العدالة والسلام، لا إلى الانغلاق في الخوف. فالمسيحيون في الشرق ليسوا بقايا تاريخ، بل شركاء في صناعة المستقبل. وسيفو، بكل ألمه، يدعونا إلى أن نحفظ الحقيقة، ونكرّم الشهداء، ونبقى شهودًا للكرامة الإنسانية والحياة معًا.