عيد هامتي الرسل: شهادة جهاد ورسالة وحدة
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
مع نسائم التاسع والعشرين من حزيران، عيد تأسيس الكرسي الأنطاكي، تقف قلوبنا بخشوع أمام أيقونة الرسولين القديسين بطرس وبولس. لسنا اليوم نستحضر ذكرى من الماضي فحسب، بل نلتقي برجلين سبقانا في مسيرة الإيمان، وما زالا يهمسان لكل واحد منا: "اتبعني كما اتبعنا المسيح".
في هذا اليوم، ترفع كنائس المشرق والمغرب صلاتها احتفاءً بعيد هامتي الرسل، عمودي الكنيسة الأولى، اللذين ختمًا حياتهما بالشهادة في روما، فأضحيا معًا رمزًا لوحدة الرسالة رغم اختلاف المسارات، ووحدة الإيمان رغم تنوع المواهب.
كان بطرس، الصياد البسيط من الجليل، هو "الصخرة" التي بنى عليها المسيح كنيسته. امتاز باندفاعه الصادق، كما عرف الخوف والضعف والإنكار، لكنه عرف أيضًا دموع التوبة وفرح الغفران. وبعد حلول الروح القدس يوم العنصرة، وقف أمام الجموع في أورشليم يعلن قيامة المسيح، فآمن بكرازته نحو ثلاثة آلاف نفس. ثم انطلق يجول المدن والقرى، يؤسس الجماعات ويثبت الإخوة في الإيمان. ويشهد التقليد الكنسي أنه بلغ روما، عاصمة العالم آنذاك، حيث صار أول أسقف لها، وهناك ختم حياته مصلوبًا منكس الرأس، معتبرًا نفسه غير مستحق أن يموت كما مات سيده.
إن بطرس يعلّمنا أن القداسة لا تبدأ بالكمال، بل بالتوبة. فالرب لم يرفض تلميذه بعد إنكاره، بل سأله ثلاث مرات: «أتحبني؟»، ثم ائتمنه على رعاية خرافه. لذلك يبقى صوته يتردد في الكنيسة: قُم، أحب، وارعَ. فالرعاية الحقيقية تنبع من قلب عرف الرحمة قبل أن يمنحها للآخرين.
أما بولس، رسول الأمم، فقد كان تحوله من مضطهِد للمسيحيين إلى كارز بالمسيح إحدى أعظم عجائب النعمة الإلهية. لم يعرف يسوع بحسب الجسد، لكنه التقاه على طريق دمشق، فانقلبت حياته رأسًا على عقب. ومنذ تلك اللحظة صار يحمل الإنجيل إلى الشعوب، مؤسسًا الكنائس في أنحاء العالم المعروف آنذاك. وبفضل رسائله، التي تشكل جزءًا أساسيًا من العهد الجديد، صاغ لاهوت النعمة والفداء والجسد الواحد، وأصبح معلمًا للأجيال.
بلغ بولس روما مقيدًا بالسلاسل، لكن الكلمة التي حملها بقيت حرة لا تُقيّد. وهناك قُطعت هامته شهيدًا، فتحول دمه إلى بذار لإيمان انتشر من أورشليم إلى أقاصي الأرض.
ويعلّمنا بولس أن الله لا يحطم الإنسان، بل يحول غيرته ويقدسها. فالذي كان يضطهد الكنيسة صار أبًا روحيًا يكتب إلى أبنائه في الإيمان برسائل لا تزال تنبض بالحياة. وما أحوج عالمنا اليوم إلى هذه الأبوة الروحية التي تبني الإنسان وتغرس المسيح في البيوت، والمدارس، وقلوب المتألمين.
فما الذي جمع بين هذين الرسولين المختلفين؟ جمعهما جهاد واحد وغاية واحدة. حافظ بطرس على أصالة الجماعة الأولى، بينما فتح بولس أبواب الكنيسة أمام الأمم. ومع ذلك، التقيا في روما، وهناك ختم كل منهما حياته شهادةً للمسيح، فأصبح دمهما كأسًا واحدة، تؤكد أن الكنيسة ليست حكرًا على شعب أو ثقافة، بل هي جسد المسيح الواحد.
وهذا هو الدرس الذي تحتاجه كنائسنا في الشرق اليوم: إن اختلافنا ليس تهديدًا، بل غنى، متى عاش في شركة المحبة. لسنا نخاف من التنوع، بل نخاف أن ننسى أن رأس هذا الجسد الواحد هو المسيح.
ومن هذا المشرق الأنطاكي انطلقت الكرازة إلى العالم. ففي أنطاكية، حيث دُعي التلاميذ «مسيحيين» أول مرة، انطلقت البشارة تحملها أقدام الرسل وتلاميذهم إلى المسكونة كلها. وما تزال كنائسنا، رغم ما تعانيه من آلام وتحديات، شاهدة على هذا الجذر الرسولي العريق. فنحن أبناء تلك الكرازة، وحراس تلك الذاكرة، وأمناء على تلك الرسالة.
لكن الرسالة لم تنتهِ بعد، بل استودعها الرسولان بين أيدينا. ففي عيد تأسيس الكرسي الأنطاكي، نتوقف لنتأمل في جهادهما، الذي قام على دموع التوبة، لأن إصلاح العالم يبدأ بإصلاح الذات؛ وعلى أقدام متعبة، لأن الكرازة لا تعرف الراحة ما دام هناك بعيد، أو متألم، أو غريب؛ وعلى قلب مفتوح، لأن المحبة وحدها تكسر الحواجز وتجعل من بيوتنا موائد للجميع.
ومن جهاد هامتي الرسل نستخلص ثلاث دعوات أساسية: أولًا، أن تكون وحدتنا قائمة على التنوع، فتتحول خلافاتنا إلى حوار بدل الانقسام. وثانيًا، أن نتحلى بالشجاعة في الشهادة، إذ لم يخف الرسولان السجن ولا الجلد ولا الموت، ونحن مدعوون إلى شهادة المحبة والعدل والرحمة في مجتمعاتنا. وثالثًا، أن ننفتح على الآخر، فنجعل من بيوتنا وكنائسنا فضاءات استقبال ومصالحة، لا أماكن إقصاء وانغلاق.
أيها الرب المتجسد، ثبّت بيعتك في أوطاننا، واجعلها منارة للوحدة والرجاء. امنحنا غيرة الرسولين بطرس وبولس لنحمل البشارة بالكلمة والعمل، فننشر المحبة، ونبني، مع جميع أبناء هذا الشرق، مجتمعًا يقوم على الكرامة والعدالة والحياة المشتركة.
ولا تدعنا نستكين حتى تمتد ظلال كرمتك الوارفة إلى كل الأرض، فيعرف العالم أن المسيح، الذي جمع بطرس وبولس في شهادة واحدة، ما يزال يجمع أبناءه اليوم في محبة واحدة ورجاء واحد.