قمة روحية في الوطن-الرسالة
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
لقد أدت الاعتداءات التي عصفت بلبنان خلال الأشهر القليلة الماضية، والتي هي استمرار للاعتداءات التي دمرته في السنوات، وحتى العقود الماضية، الى اختلال في عدة توازنات تقوم عليها المجتمعات عامة.
لقد اختل التوازن السياسي، والاقتصادي، والنفسي، والجغرافيا البشرية، وغيرها من التوازنات التي لم تكن هي أصلا على أفضل ما يرام، بسبب ما مرت به البلاد، وما تزال، منذ عقود.
الحرب الأخيرة التي شنتها قوى الفتك على لبنان، وكل جولة تكون عادة اقوى من سابقاتها، قد أدت الى اختلالات كبيرة ليس من السهل انحسارها في المدى المنظور، ولا على ضوء الإمكانات المتوفرة. وقد ادى ذلك الى فوضى سياسية واجتماعية واقتصادية عارمة، لا تزيد طينتها بلة الا مواقع التواصل الاجتماعي التي تفتح الطريق امام كل مصطاد بالماء العكر.
بسبب التهجير الكبير الذي حصل خلال الأشهر القليلة الماضية، بدأت تبرز الى العلن بدايات نزاعات أهلية ومحاولة عبث بالسلم الأهلي. الجميع يشعر ان هناك مرجل يغلي، وهو على وشك الانفجار متى توفرت عناصر التفجير المناسبة.
على ضوء هذه المعطيات، الواضحة للمراقب البصير، كان لا بد من تحرك يتعاطى مع احدى العناصر الأكثر تأثيرا والأكثر فعالية في احداث بلبلة في لبنان، أي العنصر الطائفي، لان الاصطفاف السياسي والأمني مبنيين على أساس الطائفية السياسية التي كانت القاعدة التي عليها بني الميثاق الوطني، واعيد تثبيته في نهاية الحرب الاهلية.
بسبب التهجير، والبطالة، والعوز، وضيق الامكنة، تطورت بين بعض من فئات الشعب اللبناني مشاعرة سلبية، لها بذور في الماضيين، القريب والبعيد، واتخذت شكل أبلسة للفئات اللبنانية لبعضها البعض، يدعمها خطاب كراهية يجري تعميمه وتفعيله عبر منصات التواصل ذات الابعاد المترامية الأطراف.
على ضوء كل ذلك، تحركت القيادات الدينية في لبنان، عبر اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار، ودعت الى عقد قمة روحية، تنزع عن أي تحرك سلبي غطاءه الديني، وتؤكد على تضامن القيادات مع بعضها البعض، على ثوابت أساسية، لا جدل حولها، أساسها الوحدة في الحياة وسيادة الوطن، إضافة الى ثوابت أخرى مفصلة في البيان الختامي الذي صدر عن القمة الروحية التي عقدت أمس في دار كريمة، وبدعوة ورعاية من سيدها الكريم، والعريق في الحوار اذ هو من رواده.
في أحلك الظروف، وفي خضم النزاعات السياسية – والأمنية، استطاعت القيادات الدينية ان تنتج نصاً جامعاً توحيدياً، يردع من يريدون توسل الدين أداة من أدوات السياسة.
عبر هذه القمة، والاجماع على الثوابت الاجتماعية والوطنية التي نضحت بها، اثبت لبنان مرة أخرى انه الوطن الرسالة، وانه نطاق ضمان للفكر الحر، وانه مختبر اجتماعي ثقافي ما يصح فيه يصح في أي مكان في العالم نظرا لشدة تنوع ثقافته. هذا النموذج للوحدة المجتمعية الناتجة عن الاشتراك في الحياة بين أناس من مشارب مختلفة، هو نموذج كوني يجب الحفاظ عليه مهما كانت التضحيات، ويجب نقله الى كل المجتمعات ذات التنوع او التعدد في الثقافة او الدين او الاثنية.
ما يهمنا في مجلس كنائس الشرق الأوسط، وهو من الذين شاركوا في تنظيم القمة الروحية، هو ان نقول لكل أهلنا في هذه المنطقة العزيزة، وطننا، ان ألجموا خطاب الكراهية، وتعلموا القبول بالتمايز بين مكونات مجتمعاتكم، لأنه مصدر غنى وتقدم. التنوع، والتفاعل في التنوع، والحوار، هم مستقبل الثقافة الإنسانية، والا فان مصيرها الخراب المحتوم.
نشكر الرب على نعمه، واولها نعمة العقل، الذي جعل ان نتنبه دائما، وقبل فوات الأوان، الى ما يحدق بنا من اخطار، فنقوم بالعمل الوقائي المناسب.
نحن المنتمون الى الانسان، لا وسيلة لدينا سوى الكلمة، نستلها في وجه سلطان جائر، ومحتل قاهر، وجاهل حائر.
هي في البدء كانت، وستبقى!