الرابطة، نموذجٌ وتحدٍ للعمل المسيحي المشترك
كلمة الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس أمام الجمعية العامة لرابطة الكليات والمعاهد اللاهوتية في الشرق الأوسط.
القاهرة في 17.07.2026
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
السلام لكم جميعًا.
يشرفني أن أقف بينكم في هذا اللقاء الذي يجمع نخبةً من العاملين في حقل التعليم اللاهوتي في الشرق الأوسط، هذا الشرق الذي تجلت فيه العقيدة الخلاصية، ومنه انطلقت البشارة إلى العالم، وما يزال، رغم جراحه الكثيرة، يحمل رسالة الإنجيل إلى الإنسانية.
نحن أمام مشروع لا يشبه باقي المشاريع. الرابطة ليست مجرد "رابطة أكاديمية" تجمع كليات تعليمية. هي نبوءة حية تُكتب كل يوم في قاعات الدرس، في مكتباتنا، وفي صلواتنا المشتركة. هي مشروع نموذجي للوحدة المسيحية، لأنها تتحقق حيث تُصنع الكنيسة في تحضير رعاة الغد عمالا في كرم الرب الواحد، وقيادات الغد في الحركة المسكونية.
نحن نعيش في أرض الوحدة الخفية المستترة والمطلوب إعلانها للعالم، الأرض التي عرفت المسيح أولاً، ودفعت ثمن الشهادة أولاً. وهنا أيضاً عرفنا اختلافات التعبير الكلامي عن ايماننا الواحد. تاريخنا لاهوت ودموع. العالم كله ينظر إلينا اليوم ويفرح كيف يجلس المسيحيون في مهد المسيحية إلى طاولة واحدة.
إن اجتماعنا اليوم ابعد من كونه اجتماعًا إداريًا عاديًا، ولقاءً أكاديميًا، هو فعل رجاء. ففي زمن تتكاثر فيه أسباب اختلاف التعابير واللغات التي توحي بالانقسام، وتتعاظم فيه الأزمات التي تضرب منطقتنا، يصبح اجتماع الكنائس حول رسالة التعليم اللاهوتي علامةً نبوية تؤكد أن، الوحدة ليست حلما بعيدا بل مسيرة في اتجاه واحد أحد تثبته مصلوبية محبة واحد، ومسيرة تُبنى بالصبر والمعرفة، والمحبة، والعمل المشترك.
لقد أدركت الكنائس منذ بداياتها أن مستقبلها يتوقف على نوعية القادة الذين تُعدّهم. فالكلية اللاهوتية ليست مصنعًا للشهادات، بل مدرسة لتكوين الإنسان الذي سيقود الكنيسة، ويخدم المجتمع، ويشهد للمسيح في عالم سريع التغير. ومن هنا تبرز أهمية رابطة الكليات والمعاهد اللاهوتية في الشرق الأوسط، التي استطاعت أن تجعل من التعليم اللاهوتي مساحةً للقاء، والحوار، والتعاون، والنمو المشترك.
لقد أثبتت الرابطة أن الوحدة المسيحية لا تبدأ فقط من الحوارات الرسمية بين الكنائس، بل تبدأ أيضًا في قاعات الدراسة، وفي المكتبات، وفي المختبرات البحثية، وفي الصلوات المشتركة، حيث يلتقي طلاب من مختلف التقاليد الكنسية، فيكتشفون ان ما يجمعهم أعمق بكثير مما يفرقهم في تاريخ تلعثم لغات بابلية.
إن التعليم اللاهوتي، عندما يكون منفتحًا على الآخر، يصبح أداةً لبناء الكنيسة الواحدة، لا لتكريس بابلية اللغات التي تستحيل انقساما. فالاختلافات في التعبير العقائدي مهما كانت مهمة، لا ينبغي أن تتحول إلى حواجز تمنعنا من التعاون في خدمة الإنسان والشهادة للإنجيل. إن الكنيسة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الأسوار، بل إلى مزيد من الجسور.
وفي هذا السياق، تمثل ATIME نموذجًا متقدمًا للشراكة المسكونية، لأنها لم تسعَ إلى إلغاء خصوصيات الكنائس، بل إلى احترامها، وفي الوقت نفسه بناء مساحات مشتركة للتعليم، والبحث العلمي، وضمان الجودة، والتكوين الروحي، وتبادل الخبرات. وهذه هي المسكونية الناضجة: وحدة تقوم على الحقيقة والمحبة معًا.
أيها الأحبة،
إن مستقبل الحركة المسكونية في الشرق الأوسط لن يُبنى في قاعات المؤتمرات وحدها، بل يبنى على مقاعد الدراسة، حيث يتعلم القادة المستقبليون الإصغاء قبل الكلام، والحوار قبل إصدار الأحكام، والتعاون قبل التنافس.
إن الطالب الذي يتشارك الدراسة والصلاة والخدمة مع زميل له من تراث آخر، سيحمل معه طوال حياته ذاكرةً مختلفة، وسيكون أكثر استعدادًا لبناء شراكات كنسية وإنسانية عندما يتولى مسؤولياته الرعوية أو الأكاديمية. وهكذا يصبح التعليم اللاهوتي مختبرًا للوحدة، ومدرسةً للمصالحة، ومكانًا لتكوين صانعي السلام.
ولذلك فإن إعداد قيادات الحركة المسكونية المستقبلية لا يقتصر على نقل المعرفة اللاهوتية، بل يشمل أيضًا تنمية الفضائل الإنسانية والروحية: التواضع، والقدرة على الإصغاء، والشفافية، والنزاهة، واحترام التنوع، والإيمان بأن الحقيقة لا تخاف الحوار.
إن كنائسنا تحتاج إلى قادة يمتلكون رؤيةً لاهوتية عميقة، وكفاءةً أكاديمية، وحكمةً رعوية، وقدرةً على إدارة المؤسسات بروح الخدمة لا بروح السلطة. وتحتاج أيضًا إلى قادة قادرين على مخاطبة الشباب، والتفاعل مع الثقافة المعاصرة، واستخدام وسائل الإعلام الحديثة، والانخراط في قضايا العدالة، والسلام، وكرامة الإنسان.
كذلك، فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على الحفاظ على التراث اللاهوتي العظيم الذي ورثناه، بل تمتد إلى تطويره ليبقى قادرًا على مخاطبة أسئلة الإنسان المعاصر. فالأمانة للتقليد لا تعني الجمود، بل تعني الإبداع في نقل الإنجيل إلى كل جيل بلغة يفهمها، ومنهجية تقنعه، وشهادة تلمس قلبه.
أيها الإخوة والأخوات،
لا يمكن أن نتحدث عن التعليم اللاهوتي من دون أن نتحدث عن واقع منطقتنا التي تعيش تحديات غير مسبوقة: الحروب، والهجرة، والفساد، والفقر، والاستقطاب، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتنامي الخطابات المتطرفة. وفي مواجهة هذه التحديات، تصبح مسؤولية مختبراتنا اللاهوتية مضاعفة.
إن الكنيسة مدعوة إلى أن تكون ضمير المجتمع، وصوت الرجاء، ورسول المصالحة. ولن تتمكن من أداء هذه الرسالة ما لم تُعِدّ رجالًا ونساءً يمتلكون الكفاءة العلمية، والنضج الروحي، والالتزام الأخلاقي، والانفتاح على الآخر.
ومن هنا فإن الاستثمار في التعليم اللاهوتي ليس استثمارًا في المؤسسات فحسب، بل في مستقبل الكنيسة والمجتمع معًا.
أختم، أيها الأحبة، كلمتي بدعوتين،
الأولى لنا نحن القادة لنؤمن أن ATIME ليست مشروعنا، بل هي مشروع الروح القدس. دورنا أن نزيل العقبات لا أن نضعها. لنستثمر فيها وقتاً وطاقة وموارد وصلاة. ان كل وزنة تثمر هنا هي خطوة نحو وحدة البيعة بعد عقود.
والثانية لطلابنا حيث أقول لهم أنتم لستم "طلاب لاهوت" فحسب. أنتم "رهبان مسكونية". احملوا هذا السر. تعلموا من بعضكم. اختلفوا بمحبة. وصلوا معاً. العالم ينتظر أن يرى فيكم يسوع.
حين صلى الرب يسوع قائلًا "لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي" (يوحنا 17: 21) فقد ربط بين وحدة المؤمنين ومصداقية الشهادة أمام العالم. فكلما اقتربنا من بعضنا، اقترب العالم من المسيح، وكلما تباعدنا، ضعفت شهادتنا.
ولهذا فإن كل برنامج أكاديمي مشترك، وكل مشروع بحثي، وكل تبادل للأساتذة والطلاب، وكل صلاة مشتركة، وكل مبادرة للتعاون بين مؤسساتنا، ليست مجرد نشاط أكاديمي، بل هي مشاركة حقيقية في تحقيق صلاة المسيح من أجل كنيسته.
فلنواصل هذه المسيرة بثقة، ولنجعل من الرابطة منصةً للتميّز الأكاديمي، ومختبرًا للوحدة المسيحية، وبيتًا للحوار، ومنارةً للرجاء في شرقنا العزيز.
أشكركم جميعًا على التزامكم، وعلى رسالتكم، وعلى إيمانكم بأن المستقبل يُبنى بالتعليم، وأن الوحدة تُصنع باللقاء والعمل معا، وأن الكنيسة تتجدد حين تستثمر في الإنسان.
نسأل الرب الاله أن يبارك رابطة الكليات والمعاهد اللاهوتية في الشرق الأوسط، وأن يبارك كنائسنا، وأن يقودنا جميعًا بروحه القدوس لنكون أمناء للإنجيل، وشهودًا للحق، وصانعي سلام في عالمنا.
ﺁمين!