الشفافية في الإدارة ومصداقية المؤسسات
مع التركيز على المؤسسات القائمة على أساس ديني
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
ليست الشفافية موضةً إدارية مستوردة، بل هي قيمة أصيلة في كل رسالة تحمل مبادئ إنسانية سامية وتسعى إلى خدمة الإنسان. وعندما تكون المؤسسة قائمة على أساس ديني، تصبح الشفافية أكثر أهمية وحساسية، لأنها لا تدير الموارد فحسب، بل تحمل أيضًا رسالةً روحية وأخلاقية، وتمثل قيم الإيمان أمام الناس. ومن هنا تُبنى مصداقية المؤسسة على سؤال بسيط وعميق: هل تتطابق أفعالنا مع ما نعلنه ونبشّر به؟
إن الشفافية ضرورة وليست خيارًا. فأي مؤسسة تعتمد في رسالتها على ثقة الناس، سواء كانوا متبرعين أو شركاء أو متطوعين أو مستفيدين. هؤلاء يقدمون المال والوقت والجهد، ويضعون ثقتهم في المؤسسة. فإذا فقدت هذه الثقة، تزعزعت الرسالة بأكملها. والشفافية هي الجسر الذي يحفظ هذه الثقة ويعززها. فعندما يعرف الداعم أين تُصرف تبرعاته، ويدرك الموظف معايير التوظيف والترقية، ويفهم المستفيد آليات الحصول على الخدمات، يصبح الجميع شركاء في الرسالة لا مجرد متفرجين عليها. أما الكتمان وإخفاء الحقائق، فيولّدان الشك، والشك يقوّض المصداقية مهما بلغت كفاءة الأداء الإداري.
وفي المؤسسات ذات الخلفية الدينية تتضاعف المسؤولية، لأن الناس لا تتوقع منها الكفاءة الإدارية فحسب، بل تنتظر منها أن تكون «رسالةً حيّة». فهي مطالبة بأن تجسد في ممارساتها اليومية ما تنادي به من أمانة وعدالة ومحبة وتواضع وإنكار للذات. فإذا كان خطابها يدعو إلى النزاهة بينما تبقى وثائقها وقراراتها بعيدة عن أي مساءلة، فإن الناس قد تفقد ثقتها بالرسالة قبل أن تفقد ثقتها بالإدارة.
يقول السيد المسيح: «ليضئ نوركم هكذا قدام الناس» (متى 5: 16). والشفافية جزء من هذا النور. فالمؤسسة الإنسانية، ولا سيما المؤسسة الدينية، عندما تعتمد الشفافية، تعلن للعالم أن الحق لا يخشى المساءلة، وأن المسؤولية أمام الله تسبق المسؤولية أمام الناس.
ولا تعني الشفافية كشف كل التفاصيل أو نشر كل المعلومات على الملأ، بل تعني وضوح المسؤوليات، وعدالة المعايير، وإمكانية المساءلة. فهي تبدأ بإعداد تقارير مالية دورية واضحة تبيّن مصادر الدخل وأوجه الإنفاق، بما يطمئن المتبرعين ويؤكد حسن إدارة الموارد.
كما تتجلى في الحوكمة الرشيدة، حيث تعمل المجالس والهيئات الإدارية بكفاءة، وتكون آليات اتخاذ القرار معروفة، مع فصل واضح بين الصلاحيات، واعتماد سياسات مكتوبة للتوظيف والمشتريات وتقديم المساعدات، بما يضمن العدالة ويحدّ من الاجتهادات الشخصية.
وتشمل الشفافية أيضًا بناء ثقافة الإصغاء والحوار، من خلال استقبال الاقتراحات، وتشجيع تداول الأفكار، وعقد اجتماعات دورية لفرق العمل، والإجابة بوضوح عن الأسئلة الصعبة. فالمؤسسة الواثقة من رسالتها لا تخشى الحوار، بل تعتبره وسيلة للتطوير والنمو.
ومن أهم مظاهر الشفافية امتلاك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء. فلا توجد مؤسسة كاملة، لكن المؤسسة الناضجة هي التي تعترف بأي خلل إداري أو مالي أو تنظيمي، وتسارع إلى تصحيحه. فالتصحيح يعزز المصداقية أكثر من التبرير، والناس قد تغفر الخطأ، لكنها نادرًا ما تغفر محاولة إخفائه أو التستر عليه.
وعندما تصبح الشفافية نهجًا ثابتًا، يعرف كل متبرع أين ذهبت مساهمته، فيزداد استعداده للعطاء. كما تحمي الشفافية قادة المؤسسة من شبهات المحاباة ومن الشائعات وسوء الظن، وتحمي المؤسسة نفسها من التأويلات والاجتهادات المبنية على معلومات ناقصة. فالقائد الشفاف لا يخشى السؤال، لأنه يمتلك جوابًا واضحًا ومسؤولًا.
والشفافية ليست إجراءً مؤقتًا، بل مشروع بناء طويل الأمد. فهي تجذب أصحاب الكفاءة والنزاهة، وتكوّن جيلًا من المتطوعين الواعين، وتكسب احترام المجتمع بمختلف مكوناته. وعندئذ تصبح المؤسسة، بحق، «مدينةً موضوعة على جبل»، يراها الجميع ويثقون بها. أما المؤسسة المنغلقة، التي تمارس أعمالها بعيدًا عن النور، فإنها قد تحقق نجاحًا مؤقتًا، لكنها سرعان ما تواجه أزمة ثقة يصعب علاجها. فخسارة الثقة أخطر من خسارة المال، واستعادتها تتطلب سنوات من العمل الصادق، وقد تكون في بعض الأحيان شبه مستحيلة.
إن الشفافية في قيادة وإدارة المؤسسات القائمة على أساس ديني هي شهادة قبل أن تكون سياسة إدارية، وهي تجسيد عملي لقول الرسول: «مبغضين الشر، ملتصقين بالخير» (رومية 12: 9). فعندما نفتح سجلاتنا بقدر ما تقتضيه الحكمة، ونفتح قلوبنا للمساءلة والمحاسبة، نعلن أن إله الحق لا يخشى النور، وأن المصداقية المبنية على الصدق والشفافية هي بناء راسخ لا تهزه العواصف، لأنه قائم على صخر الحق والأمانة.