طوبى لصانعي السلام

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

"طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء اللّه يُدعون" (متى 5:9).

بهذه العبارة القصيرة، اختصر السيد المسيح سرّاً كبيراً يعلنه للإنسانية، ان السلام ليس مجرد غياب الصراع، وانتفاء النزاع، بل هو عمل، وبناء، وحرفة، يحتاجون قلباً كبيرا، رؤية بعيدة المدى، ويدين ثابتتين.

السلام يبدأ من الداخل، فصانع السلام لا يولد جاهزاً. قبل أن يزرع السلام حوله، عليه ان يتمتع بسلام داخلي. سلام مع اللّه، مع نفسه، مع ماضيه. الشخص الممتلئ قلبه غضباً ومرارةً، يستحيل عليه ان يوزّع طمأنينة. لذلك، فإن أول خطوة لصناعة السلام هي المصالحة، أي ان يعترف بجراحه، يغفر للذي أذاه، ويسلّم لرب السلام قيادة قلبه. وعندما يهدأ الداخل، يصبح الكلام هادئاً، وتصير النظرة أرحم.

صناعة السلام عمل دؤوب. يسوع لم يقل "طوبى لمحبي السلام" فقط، بل قال "طوبى لصانعي السلام". يعني ذلك ان الامر يتطلب مجهوداً وتعبً. هناك مبادرة وعمل. صانع السلام هو الذي يدخل على مكان مشحون ويختار كلمة تلطّف الجو بدل كلمة تشعل. هو الذي يسمع الطرفين من دون احكام مسبقةً. هو الذي يتنازل عن حقّه، ليس عن ضعف، ولكن عن قوة، من اجل انقاذ الروابط بين الناس.

السلام عمل مكلف، لكنه نتائجه ايجابية لبني البشر. 

صناعة السلام تكلف بعضاً من الكبرياء عندما تكون اول المعتذرين. تكلف وقتاً وصبراً عندما تستمع الى نفس الكلام للمرة العاشرة. تكلف راحةً عندما تختار ان تواجه مشكلة بدل الهروب منها. اما المقابل فأكبر بكثير: "أبناء اللّه يُدعون". عندها تتشبه بأبيك السماوي. اللّه نفسه قد بادر الى المصالحة معنا ونحن ما زلنا خطاة. عندما تسير بطريق الرب، تراه الناس فيك، وتوقن ان هناك إله سلام عينه على هذا العالم.

من اجل ان أكون صانع سلام اليوم، لا احتاج ان أشارك في مؤتمرات عالمية للسلام وحقوق الانسان. السلام يبدأ من بيتي بالكلمة الطيبة، بالمحبة والاحتواء. يبدأ بسؤال بسيط لانسان متضايق. السلام يبدأ على مواقع التواصل الاجتماعي عندما تختار الا تشارك بخبر فتنة. يبدأ بقلبك حين تصلي للشخص الذي خاصمك بدل ان تستغيبه.

العالم اليوم ظمئ للسلام، انما السلام الحقيقي ليس شعاراً نرفعه، بل حياة نحياها، وفي كل مرة تختار ان تهدئ النفوس بدل صب الزيت على النار، تكون بصدد ان تثبت إنك ابن للّه.

طوبى لك إذا كنت صانع سلام. من المكن الا يصفق لك أحد، وان ترهق، ولكن الرب يراك، لأنك تقوم بعمل من قلب اللّه: لمّ شمل الناس المتباعدة، جبر الكسر، وزرع الرجاء.

هكذا تكون من أبناء الحياة، الاوفياء لناسهم، الاوفياء لربهم.

Next
Next

فيديو - برنامج "ملفات ساخنة" مع الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس