الحوار الديني: ضوابطه ودوره في صون السلم الأهلي

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

ضجت مؤخرا وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بحلقة حوارية ذات طابع ديني بحت جرت بين عابر من دين الى آخر ومنتقد لهذا العبور. لقد اثارت هذه الحلقة موجة من الجدل العنيف والحاد بين اتباع الديانات نعتبرها بمثابة حرب أهلية سيبيرانية، أي في العالم الافتراضي.

وبما ان مجلس كنائس الشرق الأوسط هو من الهيئات الرائدة في مجال الحوار كما هو وارد في نصوصه التأسيسية، ومؤسساته ناشطة في العمل الحواري على كل المستويات، كان لا بد لنا من التذكير برؤيتنا حول هذا الامر، وهي نتاج خمسة عقود من الاختبار والعمل التطبيقي.   

 

يُعتبر الحوار قيمة إنسانية راقية، ووسيلة حضارية للتواصل بين البشر. وفي المجتمعات التعددية، يصبح الحوار ضرورة وجودية لا ترفاً فكرياً. إلا أن الحديث عن "الحوار الديني" يحمل خصوصية بالغة، لأنه يلامس أعمق ما في الإنسان: معتقدُه، وهويتُه، ومقدساتُه. ومن هنا كان لا بد من وضع ضوابط لهذا الحوار، كي لا يتحول من جسر للتقارب إلى معول للهدم.

 

لماذا لا يصلح الحوار الديني أن يكون للعامة؟

 

إن فتح باب النقاش في المسائل العقائدية الدقيقة أمام العامة دون تأطير علمي وأخلاقي يؤدي إلى مفاسد أكثر من المنافع، وذلك لعدة أسباب:

 

أولا غياب الأدوات العلمية: المسائل الدينية واللاهوتية الكبرى متشابكة مع علوم التفسير، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والتاريخ. والعامة يفتقدون هذه الأدوات، فيقعون في الخلط بين النص ودلالته، وبين الحكم العام والخاص، وبين المحكِم والمتشابِه. فينتج عن ذلك فهم مشوه للدين وللآخر.

ثانيا الانزلاق إلى الجدل والتعصب: عندما يُناقِش غير المتخصص في الثوابت، يتحول الحوار سريعاً من البحث عن الحقيقة إلى الانتصار للنفس والجماعة. وتُستَفز العواطف، وتُطلق الأحكام، ويتحول الاختلاف الفكري إلى عِداء شخصي وطائفي.

ثالثا خطر تأجيج النزاعات الأهلية: أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة أن شرارة أغلب الفتن الطائفية كانت كلمة غير مسؤولة في مجلس عام، أو مناظرة متشنجة على منبر. فالعامة لا يملكون آليات ضبط النفس والتراجع عند الاحتقان، فيتحول سوء الفهم إلى قطيعة، والقطيعة إلى صراع.

لذلك، فإن الحوار في صلب العقائد والفروق المذهبية واللاهوتية يجب أن يبقى في دائرة أهل الاختصاص: علماء الدين، والباحثين المتخصصين، والمفكرين المتمكنين من أدوات العلم ومنهج الحوار وأدب الخلاف.

 

ما هو البديل العملي لهذا الواقع؟ انه "حوار الحياة" بين أهل الأديان والطوائف والملل.

 

إذا كان "حوار العقائد" من شأن النخبة، فما هو دور الناس؟ دورهم هو ممارسة "حوار الحياة" وهو الحوار الذي يبني الأوطان ويحفظها.

 

وهذا الحوار لا يسأل "من هو على حق في الغيبيات؟" بل يسأل: "كيف نحيا معاً بكرامة وسلام؟"

ان هكذا حوار يقوم على ثلاثة أسس:

الأساس الأول هو الاحترام المتبادل للمعتقدات، وهو الإقرار بأن لكل إنسان الحق في اعتناق ما يراه حقاً، دون تسفيه أو ازدراء أو محاولة إكراه. احترام المعتقد يعني احترام حرية الضمير التي كفلتها الأديان والشرائع السماوية والقوانين الوضعية.

الاساس الثاني هو احترام العادات والتقاليد العائدة لكل طائفة ومذهب اذ لهم خصوصيتهم في أعيادهم، ومناسباتهم، وأحوالهم الشخصية، وأعرافهم الاجتماعية. احترام هذا التنوع هو اعتراف بغنى المجتمع، وليس تهديداً لوحدته. فالوحدة لا تعني التماثل، بل تعني التعايش في إطار من التنوع.

الأساس الثالث هو التعاون في الشأن العام والإنساني وهذا يعني الانتقال من مُربع "ما الذي يفرقنا" إلى مُربع "ما الذي يجمعنا". فقضايا الفقر والمرض والجهل والبيئة والأمن والشباب هي قضايا مشتركة لا دين لها ولا مذهب. وعندما يعمل أبناء الأديان والطوائف معاً في المستشفى والمدرسة والجمعية الخيرية، تذوب الحواجز وتُبنى الثقة.

 

في كل ذلك لا بد لنا من التأكيد ان السلم الأهلي يشكل غاية عظمى من كل حوار في مجتمعنا لان صون السلم الأهلي يحفظ كرامة الإنسان.  لذلك علينا ان نؤكد ان ليس كل حوار محموداً. الحوار الذي يؤدي إلى الفرقة والشقاق هو حوار مذموم. كما أن الصمت الذي يؤدي إلى الانعزال والانغلاق هو صمت مضر.

 

الحكمة تقتضي التمييز بين اهل الاختصاص والعامة. يعني ذلك ان نترك "حوار اللاهوت" للاهوتيين في القاعات العلمية بهدوء وموضوعية، ونمارس نحن "حوار المواطنة" في الشارع والبيت والمدرسة ومكان العمل بروح المحبة والاحترام.

 

عندها فقط نحقق المعادلة الصعبة: ان نحمي إيماننا من التبسيط والابتذال، ونحمي وطننا من الفتنة والانقسام. فبالحوار المنضبط نصون الدين، وباحترام الحياة نصون الإنسان، وبالعمل المشترك نبني وطناً واحداً يتسع للجميع.

هنا لا بد ان نذكر ما ورد على لسان صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر الكلي الطوبى: "ما بين النحن والأنتم تسقط الواو، ويبقى نحن أنتم، وأنتم نحن. فنحن سويةً أصحاب تاريخٍ مشتركٍ بكل صواعده ونوازله، ومصيرنا مصيرٌ واحد".

بهذه القيم تبنى وتصان الأمم.

Next
Next

فيديو - تأمّل لوالدة الإله للقدّيس أفرام السرياني