الاستقلالية في المؤسسات: بين المساءلة والحوكمة
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
تُعدّ الاستقلالية، أو ما يُعرف بمفهوم (Autonomy)، من المبادئ المهمة في إدارة المؤسسات الحديثة، ولا سيما المؤسسات الكبيرة التي تضم فروعاً أو دوائر أو وحدات متخصصة تختلف في طبيعة مهامها وبيئات عملها. والاستقلالية لا تعني الانفصال عن المؤسسة الأم، ولا التحرر الكامل من أنظمتها ومرجعيتها، بل تعني منح وحدة معينة مساحة محددة من الحرية في اتخاذ القرارات وإدارة شؤونها ضمن إطار عام من القواعد والغايات المشتركة.
فالاستقلالية، بمعناها العام، هي قدرة دائرة أو فرع على تنظيم عمله واتخاذ القرارات المتعلقة باختصاصه دون الرجوع إلى الإدارة المركزية في كل تفصيل. وهي تهدف إلى رفع الكفاءة، وتسريع العمل، وتشجيع المبادرة، وتمكين المسؤولين المحليين من التفاعل مع الظروف الخاصة التي تواجههم. غير أن هذه الاستقلالية لا تكون مطلقة، بل تفويضاً منظماً للصلاحيات يخضع لمبادئ الحوكمة والمساءلة.
تتحقق استقلالية الفروع أو الدوائر عندما تكون لها اختصاصات واضحة، وقيادة مسؤولة، وموارد محددة، ونظام عمل معروف، وصلاحيات منصوص عليها بصورة صريحة. ومن أهم شروطها وضوح توزيع المسؤوليات بين المؤسسة الأم والوحدة المستقلة، وعدم وجود تضارب في الصلاحيات، إضافة إلى وجود آليات رقابة وتقييم تضمن أن الاستقلالية لا تتحول إلى انفصال إداري أو مالي أو مؤسسي.
أما حدود الاستقلالية، فتحددها رسالة المؤسسة الأم ونظامها الأساسي والقوانين التي تخضع لها. فلا يجوز للدائرة المستقلة اتخاذ قرارات تمس هوية المؤسسة أو أهدافها العامة أو سمعتها أو التزاماتها القانونية والمالية دون الرجوع إلى المرجعية المختصة. كما لا يجوز لها اتخاذ قرارات استراتيجية تتجاوز نطاق عملها أو ترتب التزامات طويلة الأمد على المؤسسة الأم من دون موافقتها.
يمكن للدائرة ذات الاستقلالية، بصورة عامة، اتخاذ القرارات التشغيلية والإدارية الداخلة مباشرة في مجال اختصاصها. ويشمل ذلك تنظيم العمل الداخلي، توزيع المهام، وضع خطط التنفيذ، إدارة الأنشطة اليومية، واقتراح البرامج والمبادرات المتعلقة بعملها، ضمن الموازنات والصلاحيات المعتمدة. ويمكن أن تمتد هذه الصلاحيات إلى بعض القرارات المالية أو التعاقدية إذا كانت محددة مسبقاً بسقوف واضحة. أما القرارات التي تتعلق بتغيير الهيكل العام، أو إنشاء التزامات مالية كبيرة، أو تعديل السياسات الأساسية، أو تمثيل المؤسسة في قضايا حساسة، فيجب أن تبقى من اختصاص المؤسسة الأم أو أن تخضع لموافقتها المسبقة.
وتبرز هنا أهمية النظام الداخلي للدائرة ذات الاستقلالية. فهذا النظام ينبغي ألا يكون بديلاً عن النظام الداخلي للمؤسسة الأم، بل مكملاً له. ويجب أن يستند إلى النظام العام وأن ينسجم معه من حيث المبادئ والصلاحيات وآليات الرقابة. ولا يمكن أن يتضمن أحكاماً تتعارض مع القواعد العليا للمؤسسة. وفي حال وجود تعارض، تكون الأولوية للنظام الأساسي أو الداخلي للمؤسسة الأم، ما لم يكن هناك نص صريح يمنح الوحدة المستقلة صلاحية خاصة في مجال معين.
أما المساءلة، فهي الوجه المقابل للاستقلالية. فكلما اتسعت الصلاحيات، ازدادت الحاجة إلى وضوح المسؤولية. ويجب أن تكون علاقة المساءلة بين الفروع المستقلة والمؤسسة الأم علاقة مؤسسية لا شخصية، تقوم على تقارير دورية، ومؤشرات أداء، ومراجعات مالية وإدارية، وتقييم النتائج مقارنة بالأهداف المعتمدة. وينبغي أن تركز المساءلة على النتائج والالتزام بالقواعد، لا على التدخل المستمر في التفاصيل اليومية. كما يجب أن تكون معايير التقييم معروفة مسبقاً، وأن يُمنح الفرع حق تفسير قراراته والدفاع عنها، وأن تكون إجراءات المحاسبة عادلة وشفافة.
ولا تعني الاستقلالية أن المؤسسة الأم تفقد مسؤوليتها تجاه الفروع التابعة لها، خصوصاً عندما تمر إحدى هذه الوحدات بأزمة. ففي حالات التعثر المالي، أو النزاع الإداري، أو سوء الإدارة، أو المخاطر القانونية، أو تهديد سمعة المؤسسة، يصبح تدخل المؤسسة الأم مشروعاً، وقد يكون ضرورياً.
غير أن هذا التدخل يجب أن يخضع لشروط واضحة. أولها أن تكون الأزمة ذات أثر يتجاوز قدرة الفرع على معالجتها أو تهدد المؤسسة ككل. وثانيها أن يكون التدخل متناسباً مع حجم المشكلة، فلا يتحول إلى إلغاء دائم للاستقلالية بسبب أزمة مؤقتة. وثالثها أن يكون التدخل محدداً من حيث الهدف والمدة والصلاحيات، وأن تكون هناك خطة معلنة لاستعادة الوضع الطبيعي وإعادة الصلاحيات إلى الدائرة بعد انتهاء الأزمة.
الحوكمة في العلاقة بين المؤسسة ذات الاستقلالية والمؤسسة الأم
تشكل الحوكمة الإطار الذي ينظم العلاقة بين المؤسسة أو الدائرة ذات الاستقلالية والمؤسسة الأم، بحيث تضمن التوازن بين حرية الإدارة ووحدة المرجعية. وتقوم الحوكمة السليمة على وضوح الصلاحيات، وتحديد خطوط المسؤولية، والفصل بين الرقابة والتدخل التنفيذي، واعتماد آليات مكتوبة لاتخاذ القرارات ورفع التقارير وتسوية الخلافات. كما تقتضي وجود هيئات أو لجان رقابية مستقلة نسبياً، وتحديد المسائل التي تحتاج إلى موافقة مسبقة من المؤسسة الأم، والمسائل التي تملك فيها الوحدة ذات الاستقلالية سلطة القرار الكامل. ويجب أن تستند العلاقة إلى الشفافية وتبادل المعلومات بصورة منتظمة، مع منع تضارب المصالح وضمان خضوع الطرفين للقواعد نفسها في النزاهة والمساءلة. فالحوكمة الجيدة لا تهدف إلى تقليص الاستقلالية، بل إلى حمايتها من التعسف من جهة، وحماية المؤسسة الأم من الانحراف أو إساءة استعمال الدائرة ذات الاستقلالية لصلاحياتها من جهة أخرى، بحيث تصبح الاستقلالية جزءاً منظماً من بنية المؤسسة لا استثناءً خارجاً عن نظامها.
في الخلاصة، تقوم الاستقلالية الناجحة على معادلة دقيقة: حرية في الإدارة مقابل مسؤولية في النتائج، ومرونة في اتخاذ القرار مقابل التزام بالقواعد العامة. فالمؤسسة التي تفرط في المركزية تخنق المبادرة وتبطئ العمل، بينما المؤسسة التي تمنح استقلالية بلا حدود قد تفتح الباب أمام الفوضى وتضارب القرارات. لذلك فإن الاستقلالية الحقيقية ليست غياب الرقابة، بل وجود رقابة ذكية تحمي الوحدة ذات الاستقلالية من التدخل غير الضروري، وتحمي المؤسسة الأم من فقدان وحدتها وهويتها وغاياتها المشتركة.