الجزء الثاني

مسؤولية الكنيسة

الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والإنسانية

في حفظ القيم والمناقب وبناء الإنسان

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

المسؤولية الاقتصادية – المال في خدمة الإنسان لا الإنسان في خدمة المال

لا تعمل الكنيسة كبديل عن الدولة أو المؤسسات الاقتصادية، لكنها تحمل رسالة أخلاقية ونبوية تجاه الاقتصاد والمجتمع. فهي تذكّر دائماً بأن الاقتصاد ليس مجرد أرقام وأرباح، بل هو قبل كل شيء قضية إنسانية وأخلاقية.

في المنظور المسيحي، المال ليس شراً بحد ذاته، لكنه يصبح خطراً عندما يتحول إلى غاية مطلقة تستعبد الإنسان. فالإنجيل لا يرفض امتلاك المال، لكنه يحذر من أن يصبح المال سيداً على القلب: "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، اللّه والمال" (متى 6: 24).

لذلك فإن الكنيسة مدعوة إلى تقديم نموذج في إدارة مواردها يقوم على الشفافية، والمسؤولية، والأمانة، لأن المؤسسة التي تحمل اسم اللّه مدعوة أن تكون مثالاً في النزاهة وحسن التدبير.

كما عليها أن تشجع ثقافة العمل الشريف، وأن تكرّم الإنسان العامل، لأن العمل ليس فقط وسيلة لكسب الرزق، بل هو مشاركة في عمل الخالق وبناء المجتمع. ومن هنا تأتي دعوتها للدفاع عن حقوق العمال، ورفض الاستغلال، والمطالبة بالأجر العادل، وتأمين ظروف تحفظ كرامة الإنسان.

كما يمكن للكنيسة أن تساهم في التنمية الاقتصادية من خلال دعم المشاريع الصغيرة، والتعاونيات، والتعليم المهني، ومساعدة العائلات على الانتقال من الحاجة إلى القدرة على الإنتاج والاستقلال.

والقيمة التي تحميها الكنيسة هنا هي: العدالة، والأمانة، والقناعة، وكرامة العمل.

المسؤولية التربوية – بناء الضمير وصناعة الإنسان

ربما تكون التربية اليوم من أكبر التحديات التي تواجه الكنيسة والمجتمع. فالعالم المعاصر يعيش ثورة في الأفكار والقيم، حيث تؤثر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية وثقافة الاستهلاك في تشكيل عقول الأجيال الجديدة.

أمام هذا الواقع، لا يكفي أن تنقل الكنيسة معلومات دينية، بل عليها أن تربي الإنسان كله، وأن تساعده على اكتشاف معنى الحياة، وتمييز الخير من الشر، والحق من الباطل.

التربية المسيحية لا تعني فقط تعليم العقائد، بل تكوين ضمير حي يعيش الإنجيل في الحياة اليومية. إنها تربية على الصدق، والمحبة، والاحترام، والمسؤولية، والعفة، والتسامح، وخدمة الآخرين.

وتتحمل العائلة والمدرسة والرعية مسؤولية مشتركة في تقديم نماذج حية للشباب. فالشباب لا يحتاجون فقط إلى كلمات، بل إلى قدوات يرون فيها جمال الإيمان وقدرة القيم على تغيير الحياة.

في زمن أصبح فيه بعض المشاهير والمؤثرين الرقميين نماذج للأجيال، يجب على الكنيسة أن تقدم شخصيات حقيقية تحمل معنى العمق والقداسة والعطاء، من خلال سيرة القديسين والشهود الذين عاشوا القيم ولم يكتفوا بالكلام عنها.

والقيمة التي تحميها الكنيسة هنا هي: تكوين الإنسان الأخلاقي الواعي القادر على اختيار الخير.

المسؤولية الإنسانية – الإنسان صورة اللّه ومحور الرسالة

ينطلق العمل الإنساني في الكنيسة من حقيقة أساسية: الإنسان مخلوق على صورة اللّه ومثاله. لذلك فإن خدمة الإنسان ليست عملاً ثانوياً أو اختيارياً، بل هي جزء من جوهر الإيمان المسيحي.

فالكنيسة ترى الإنسان في وحدته الكاملة: جسداً ونفساً وروحاً. لذلك تهتم بالمرضى في المستشفيات، وبالمسنين في دور الرعاية، وبالفقراء في مراكز المساعدة، وبالمتألمين في أماكن النزاعات والكوارث.

لكن خدمة الكنيسة لا تنبع فقط من الشفقة الإنسانية، بل من الإيمان بأن المسيح حاضر في كل إنسان محتاج. لذلك قال الرب: "كنت جائعاً فأطعمتموني، كنت عطشاناً فسقيتموني..." (متى 25: 35).

عندما تحتضن الكنيسة لاجئاً، أو تعالج مريضاً، أو تواسي إنساناً منكسر القلب، فهي لا تقدم خدمة اجتماعية فقط، بل تعلن وجه اللّه الرحيم في العالم.

ولهذا تدافع الكنيسة عن قدسية الحياة، وعن حق كل إنسان في الاحترام، وعن رفض كل أشكال التهميش والعنف والتمييز.

والقيمة التي تحميها الكنيسة هنا هي: قدسية الحياة وكرامة الانسان.

الخاتمة: الكنيسة خادمة الإنسان وحارسة الرجاء

إن المسؤوليات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والتربوية للكنيسة ليست مجالات منفصلة، بل هي وجوه متعددة لرسالة واحدة: خدمة الإنسان وتمجيد اللّه من خلال المحبة.

فلا يمكن فصل الإيمان عن العدالة، ولا العبادة عن الرحمة، ولا التعليم عن بناء الشخصية، ولا الرسالة الروحية عن الاهتمام بحاجات الإنسان اليومية.

إن الكنيسة التي تحفظ القيم ليست الكنيسة التي تتحدث عنها فقط، بل التي تجعلها أسلوب حياة. فالعالم لا يحتاج إلى كلمات عن المحبة بقدر ما يحتاج إلى شهود يعيشون المحبة؛ ولا يحتاج فقط إلى الحديث عن الكرامة، بل إلى مؤسسات تحترم الإنسان وتصون حقوقه.

وعندما تقوم الكنيسة بهذه الرسالة بروح المسيح، تصبح حقاً "مدينة على جبل لا يمكن أن تُخفى"، ونوراً يقود الإنسان نحو الرجاء.

فليمنحنا اللّه نعمة أن نكون كنيسة لا تكتفي بحمل رسالة القيم، بل تكون هي نفسها شهادة حية لها، حتى يرى الناس أعمالنا الصالحة ويمجدوا أبانا الذي في السماوات.

آمين.

Next
Next

ذكرى انفجار مرفأ بيروت - 4 آب/ أغسطس