مجلس كنائس الشرق الأوسط والفلسطينيون
هذه نسخة مختصرة من المحاضرة الّتي ألقاها الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس، خلال الندوة الإلكترونية التي نظمتها منظمة “مسيحيون أرثوذكس من أجل فلسطين”، في 29 آب/أغسطس 2026.
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
لقد حافظ مجلس كنائس الشرق الأوسط على التزام راسخ وطويل الأمد تجاه الشعب الفلسطيني، وهو التزام متجذر في تاريخ الحركة المسكونية في الشرق الأوسط. وتعود هذه العلاقة إلى ما قبل التأسيس الرسمي لمجلس كنائس الشرق الأوسط عام 1974، إذ بدأت من خلال استجابة الكنائس والمؤسسات المسكونية لتهجير الفلسطينيين في أعقاب النكبة.
ومن هذا المنطلق، فإن القضية الفلسطينية بالنسبة إلى مجلس كنائس الشرق الأوسط ليست قضية سياسية خارجية، بل هي جزء من ذاكرته التاريخية، ومسؤوليته الرعوية، ورسالته الإنسانية، وشهادته المسيحية. وقد تطور انخراط المجلس فيها عبر ثلاثة أبعاد مترابطة: الخدمة، والمناصرة، وبناء الوعي.
بدأت الخدمة الإنسانية من خلال لجان مرتبطة بالكنائس عملت على مساعدة المجتمعات الفلسطينية المهجّرة في غزة، والقدس والضفة الغربية، والناصرة، وعمّان، وبيروت. وقد تطورت هذه المبادرات لاحقاً لتصبح دائرة خدمة اللاجئين الفلسطينيين، التي تواصل عملها اليوم باستقلالية. وخلال الحرب اللبنانية، قدمت البرامج المرتبطة بمجلس كنائس الشرق الأوسط المساعدات للفلسطينيين في مخيمات اللاجئين، بالتوازي مع الاستجابة لمعاناة المجتمعات اللبنانية. ومع مرور الوقت، اتسعت الرسالة الإنسانية للمجلس لتشمل جماعات أخرى من المهجّرين والنازحين، بمن فيهم العراقيون والسوريون، فيما بقيت فلسطين في صلب اهتمامه.
وتطورت المساعدة الإنسانية تدريجياً من الإغاثة الطارئة إلى التزام طويل الأمد بالتنمية والكرامة والصمود والمسؤولية الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، أدرك مجلس كنائس الشرق الأوسط أن الخدمة وحدها لا تستطيع معالجة الظروف التي تنتج المعاناة، ولذلك أصبحت المناصرة تعبيراً أساسياً عن المسؤولية المسيحية.
وبالنسبة إلى المجلس، تعني المناصرة الدفاع عن كرامة الإنسان، ومواجهة الظلم، والسعي إلى سلام يقوم على العدالة والمصالحة. ومن خلال البيانات والمؤتمرات والندوات والمداخلات الدولية والتعاون مع الحركة المسكونية العالمية، سعى مجلس كنائس الشرق الأوسط إلى التأكيد على أن الفلسطينيين ليسوا مجرد أرقام أو حجج سياسية، بل هم شعب يتمتع بالكرامة والحقوق والذاكرة والتطلعات المشروعة إلى العدالة والسلام.
ومنذ عام 2022، نظم مجلس كنائس الشرق الأوسط ندوات تناولت قضايا الأسرى الفلسطينيين واللاجئين والاختفاء القسري والعنف ضد الأطفال والحرب والاختطاف والتحرير من منظورات مسيحية. وقد قاربت هذه المبادرات القضية الفلسطينية من زوايا لاهوتية وأخلاقية وإنسانية وقانونية واجتماعية، ووفرت في الوقت ذاته مساحة للأصوات الفلسطينية وللمتخصصين من المنطقة.
اما الحرب على غزة، التي بدأت عام 2023، فقد أدت إلى تعزيز هذا الالتزام. ففي أعقاب الهجوم على المستشفى الأهلي الإنجيلي في تشرين الأول/أكتوبر 2023، دعا مجلس كنائس الشرق الأوسط إلى وقف العنف والحصار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين والمؤسسات الإنسانية. وشددت استجابته على أن التضامن المسيحي لا يقتصر على المسيحيين، إذ إن الدفاع عن المستشفيات والمدنيين والأطفال والفئات الأكثر ضعفاً هو دفاع عن الكرامة الإنسانية الشاملة.
ودعت اللجنة التنفيذية لمجلس كنائس الشرق الأوسط لاحقاً إلى وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الأسرى، وإنهاء الاحتلال والحصار، وتحرك دولي من أجل السلام. كما وضعت رسالة المجلس لعيد الميلاد عام 2023 الأطفال الفلسطينيين في قلب تأملها اللاهوتي، وربطت معاناتهم ببيت لحم، ووضعت المسيحيين أمام التناقض بين الإقرار بقدسية الحياة وبين القبول بتحويل معاناة الأطفال إلى أمر طبيعي ومعتاد.
كما حمل المجلس الهموم الفلسطينية إلى الحركة المسكونية العالمية، بما في ذلك النقاشات داخل مجلس الكنائس العالمي. وفي عام 2025، حذرت افتتاحيته بعنوان «هل سمعتم بغزة؟» من تطبيع المعاناة، وسلطت الضوء على الآثار المدمرة للجوع والعطش والمرض والتهجير وانهيار الخدمات الأساسية. كذلك قدمت مساهمته في «كايروس فلسطين 2025»، بعنوان «هل ستصدق الأجيال القادمة؟»، المعاناة الفلسطينية باعتبارها اعتداءً على الكرامة الإنسانية.
وابتداءً من عام 2026، أصبحت النشرة الأسبوعية لمجلس كنائس الشرق الأوسط "مومنتوم" تتضمن مرصداً دائماً لفلسطين، يوثق التطورات الإنسانية والاجتماعية ويحافظ على حضور فلسطين في صلب الوعي المسكوني الدولي.
وعلى امتداد هذا التاريخ، ظلت الخدمة والمناصرة بُعدين متكاملين لرسالة مسيحية واحدة. فالخدمة التي لا تعالج أسباب المعاناة تبقى ناقصة، في حين أن المناصرة التي لا تقترن بتضامن ملموس قد تتحول إلى مجرد خطاب. ولذلك يفهم مجلس كنائس الشرق الأوسط دعوته باعتبارها حضوراً وشهادة في آن واحد: مرافقة الأسر المهجّرة، ومعالجة الجرحى، وتعليم الأطفال، والدفاع عن الفئات الأكثر ضعفاً، ورفع الصوت دولياً من أجل العدالة.
أما المبدأ الدائم الذي يقوم عليه هذا الالتزام فهو واضح: حيثما تُجرح كرامة الإنسان، على الكنيسة أن تكون حاضرة؛ وحيثما تُحجب العدالة، عليها أن ترفع صوتها؛ وحيثما يتألم الناس، عليها أن تخدم؛ وحيثما يبدو السلام مستحيلاً، عليها أن تواصل العمل والصلاة من أجل السلام.