مسؤولية الكنيسة

الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والإنسانية

في حفظ القيم والمناقب وبناء الإنسان

(الجزء الأول)

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

الكنيسة رسالة حضور لا مجرد مؤسسة

الكنيسة ليست حجارةً تُبنى، ولا هي فقط مكان للعبادة وإقامة الطقوس، بل هي حضور اللّه العامل في التاريخ، وهي "جسد المسيح الحي" المدعو إلى أن يكون علامة رجاء وخلاص في العالم. فمنذ نشأتها الأولى لم تفصل الكنيسة بين إعلان الإنجيل وخدمة الإنسان، لأن المسيح نفسه جمع بين الكلمة والفعل، بين التعليم والرحمة، بين الدعوة إلى ملكوت اللّه والاهتمام بجراح البشر وحاجاتهم.

لقد أرسل الرب يسوع تلاميذه ليكرزوا بالإنجيل، ولكنه في الوقت نفسه أرسلهم ليشفوا المرضى، ويطعموا الجياع، ويحرروا المتألمين. لذلك فإن رسالة الكنيسة ليست روحية فقط بمعنى منفصل عن حياة الإنسان اليومية، بل هي رسالة شاملة تهتم بالإنسان بكل أبعاده: الروحية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والإنسانية.

فالإيمان الحقيقي لا يُقاس فقط بما نعلنه من عقائد، بل بما نترجمه من أعمال. وكما يقول الرسول يعقوب: "الإيمان بدون أعمال ميت" (يعقوب 2: 26). فالمحبة المسيحية ليست فكرة مجردة، بل فعل يقترب من الإنسان، يحمل أوجاعه، ويدافع عن كرامته، ويسعى إلى بناء مجتمع أكثر عدلاً ورحمة.

من هنا تبرز مسؤوليات الكنيسة الأربع: الاجتماعية، والاقتصادية، والتربوية، والإنسانية، وهي في جوهرها مسؤولية واحدة: الحفاظ على الإنسان الذي خلقه اللّه على صورته ومثاله، وصون القيم والمناقب التي تجعل المجتمع أكثر إنسانية.

المسؤولية الاجتماعية – الكنيسة بيت التضامن والشركة

دُعيت الكنيسة لتكون "ملح الأرض ونور العالم" (متى 5: 13-14). وهذا يعني أن حضورها في المجتمع لا يمكن أن يكون منغلقاً داخل جدرانها، بل يجب أن يكون حضوراً فاعلاً يساهم في شفاء الجراح وبناء جسور المحبة بين الناس.

في زمن تتزايد فيه الفردانية، ويضعف فيه الشعور بالانتماء، وتتفكك فيه الروابط العائلية والاجتماعية، تصبح الكنيسة مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى أن تكون بيتاً مفتوحاً، يجد فيه الإنسان مكاناً للقبول والاحتضان والرجاء.

إن مسؤولية الكنيسة الاجتماعية تبدأ من الاهتمام بالإنسان الضعيف والمهمش: الفقير، والمريض، واليتيم، والأرملة، وكبير السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، والنازح، وكل من فقد السند أو الأمل. ولكن هذه المسؤولية لا ينبغي أن تقتصر على أعمال إحسان ظرفية، بل يجب أن تتحول إلى ثقافة تضامن حقيقية تجعل المجتمع يشعر بأن كل إنسان هو أخ للآخر.

فالمراكز الاجتماعية، وصناديق المساعدة، والمبادرات الرعوية، وزيارات المرضى والعائلات، وبرامج دعم الشباب، ليست مجرد أعمال تنظيمية، بل هي تعبير عن إيمان الكنيسة بأن الإنسان ليس رقماً أو حالة اجتماعية، بل هو شخص له كرامة لا تُمس.

كما أن للكنيسة دوراً أساسياً في صناعة المصالحة. ففي المجتمعات التي أنهكتها الانقسامات والصراعات، عليها أن تكون صوت الحوار، ومكان اللقاء، ومدرسة الغفران. فالمسيحية لا تبني جدران العداوة، بل تمد جسور المصالحة، لأن المسيح جاء "ليصالح الاثنين في جسد واحد مع اللّه بالصليب" (أفسس 2: 16).

والقيمة الأساسية التي تحميها الكنيسة هنا هي: كرامة الإنسان والشركة الأخوية بين البشر.

Previous
Previous

مجلس كنائس الشرق الأوسط يصدر نشرته الأسبوعيّة

Next
Next

مجلس كنائس الشرق الأوسط يصدر الرزنامة المسكونيّة لشهر آب/ أغسطس 2026