الكنيسة الإنجيليّة تبدأ رحلة الصوم بكثير من التواضع والخشوع
القسّيسة د. ريما نصراللّه: زمن الصّوم فترة تفحّص ذاتيّ، توبة وتجنّب كلّ ما يبعدنا عن اللّه
إعلام مجلس كنائس الشرق الأوسط
صحيح أنّ مبادرات عدّة سعت إلى تعزيز حركة الوحدة بين الكنائس، لكن الهدف الأساس يبقى تقريب المسافات بين العائلات الكنسيّة كافّة مع الحفاظ على التنوّع في الإختلاف. التنوّع الّذي تتميّز به كلّ الكنائس على صعد مختلفة كالعقائد والصلوات والتقاليد... أمّا زمن القيامة فله نكهة خاصّة حيث تحتفل به كلّ منها بطريقة وعادات مختلفة تدلّ على الغنى الّذي تمتاز به، من أجل ترسيخ الإيمان واستذكار موت المسيح وقيامته من بين الأموات لخلاص وفداء البشريّة.
في هذا الإطار، لا بدّ من تسليط الضوء على تقاليد عائلة الكنائس الإنجيليّة خصوصًا في زمن القيامة، لا سيّما أنّها كانت من أولى الكنائس الّتي دعت إلى العمل المسكوني. علمًا أنّها كانت أيضًا من مؤسّسي الحركة المسكونيّة عالميًّا من خلال مجلس الكنائس العالمي وفي الشرق من خلال مجلس كنائس الشرق الأوسط.
إذًا، كيف تعيش الكنائس الإنجيليّة زمن الصوم والقيامة؟ ما هي الإحتفالات الّتي تقوم بها في هذه الفترة المنتظرة سنويًّا؟ وكيف تتحضّر لأسبوع الآلام وعيد القيامة؟ كلّ الإيضاحات تشرحها القسّيسة د. ريما نصراللّه، من الكنيسة الإنجيليّة الوطنيّة في بيروت، وعميدة كليّة اللّاهوت للشرق الأدنى في بيروت، في مقابلة مع إعلام مجلس كنائس الشرق الأوسط.
زمن الصّوم: فترة جهد نفسيّ ومغفرة
بدايةً استهلّت د. ريما نصراللّه حديثها مشيرةً إلى التنوّع الّذي تتميّز به عائلة الكنائس الإنجيليّة أكان تاريخيًّا أو جغرافيًّا أو حضاريًّا... حيث تضمّ الكنائس المُصلحة واللّوثريّة والأنغليكانيّة في مختلف أنحاء العالم. أمّا بالنّسبة لزمن الصوم فأوضحت أنّ الكنائس الإنجيليّة تتّبع التقويم الغربيّ حيث يمتدّ الصوم على فترة 40 يومًا قبل عيد القيامة. وأضافت "نركّز في كنائسنا بشكل كبير على التحضير الروحيّ، والتأمّل بآلام المسيح، موته وقيامته"، شارحةً أنّ الكنيسة تصطبغ باللّون البنفسجيّ من ناحية المنبر ولباس القساوسة... وذلك دلالةً على الآلام والتحضير النفسيّ. كما تعمد على اختيار ترانيم توبة وطلب رحمة ولا تقوم بتلاوة ترانيم "الغلوريا".
في هذا السياق، لفتت د. ريما أنّ فصل الصّوم يُعتبر فترة فحص ذاتي أي تأمّل بالحياة، معانيها، ومعنى كلّ ما قام به اللّه من أجلنا، فهو "فترة توبة، وتجنّب ضوضاء الحياة وكلّ ما يبعدنا عن اللّه". لذا تشجّع الكنيسة الإنجيليّة إلى الدخول في حال معيّنة من ناحية تحفيز المؤمن على "ممارسة جهد أكبر بقراءة الإنجيل، الصلاة، ضبط النفس، التأنّي، الرفق والمغفرة، أي كلّ ما علينا القيام به في حياتنا لكن مع التشديد عليه خلال فترة الصوم". كما أشارت إلى أنّه إضافةً إلى الجزء الروحيّ والتحضير النفسيّ، تشدّد أيضًا بعض الكنائس الإنجيليّة على التحضير الجسديّ أي الصوم عن الطعام.
من هنا، وعلى حدّ تعبير د. نصراللّه، تلتزم الكنائس الإنجيليّة بما قاله السيّد المسيح "ليس ما يدخل جسد وفمّ الإنسان هو ما ينجّسه بل ما يخرج من فمِه" (متّى 15: 10-20). لذلك لا ترتكز الكثير من الكنائس الإنجيليّة على الطعام بل على أفعال وأقوال الإنسان. إذًا، لا تعمد على تحديد نظام معيّن للصوم عن الطعام، لكنّها تدعو المؤمنين على القيام بنوع من الإماتة الجسديّة إي الإنقطاع عن بعض الممارسات، والمأكولات... ليكون اختيار طريقة التحضير بشكل فرديّ. ووفق د. نصراللّه تشجّع الكنائس الإنجيليّة بشكل إجمالي على الصوم في أي وقت خلال السنة وليس فقط في الفترة الّتي تسبق عيد القيامة، فالصوم والصلاة يترافقان ويساعدان المؤمنين.
أمّا بالنّسبة للأسبوع العظيم فشرحت د. ريما أنّ الكنيسة الإنجيليّة "تقوم بصلوات عدّة يوميّة خصوصًا في خميس العهد الّذي يُسمّى أيضًا خميس الغسل حيث "نركّز خلاله على العشاء الأخير الّذي قام به المسيح مع تلاميذه، ونتلو القراءات الّتي تصف الأحداث الأخيرة في ذاك اليوم، إضافةً إلى القيام بعشاء ربّاني أي كسر خبز وخمر". كما أنّ يوم الجمعة العظيمة تقوم الكنيسة الإنجيليّة بقراءات وترانيم معيّنة تستذكر من خلالها الساعات الأخيرة للمسيح قبل إسلام الرّوح والإنزال عن الصليب، من دون القيام بجنّاز وزيّاح. أمّا ليلة السبت الأحد فهي مخصّصة لخدمات الصلوات، لتقام بعدها الأحد صباحًا أوقات شقّ الفجر أي صلاة الفصح عند طلوع الفجر.
بين التقويم الغربي والشرقي: القرار إختياري
في سياق متّصل لفتت القسّيسة د. ريما نصراللّه أنّ الشرق الأوسط يضمّ الكنائس الإنجيليّة كافّة، المُصلحة واللّوثريّة والأسقفيّة، كمصر وفلسطين والأردن ولبنان وسوريا والعراق وإيران والخليج العربي... وشرحت أنّ "الإختلاف يكمن بين كنيسة وأخرى لا سيّما أنّ كلّ منها أبصرت النّور عبر حركات معيّنة وبمناطق معيّنة"؛ فمثلًا ولدت الكنائس الإنجيليّة المُصلحة في سويسرا مع جون كالفين، ولها طابع وتقاليد خاصّة، ونُشأت الكنائس اللّوثريّة على يد مارتن لوثر في ألمانيا حيث تمتاز أيضًا بتقاليدها. أمّا الكنائس الأسقفيّة الأنغليكانيّة فتمّ تأسيسها في إنجلترا وتتّبع كذلك الأمر تقاليد وصلوات وترانيم معيّنة.
علمًا أنّ نظام العبادة يختلف أيضًا بين كنيسة وأخرى، وكذلك خلال فترة الصوم. من هنا شرحت د. ريما أنّ معظم الكنائس في الشرق أبصرت النور عقب 300 أو 400 عام عن طريق الولايات المتّحدة الأميركيّة وتتّبع تَقَوّيّة أميركيّة ما زلنا نحملها حتّى اليوم حيث "تشدّد على الروحانيّة الشخصيّة الفرديّة وتفحّص الذّات". وتجدر الإشارة إلى أنّ "عددًا كبيرًا من الكنائس الإنجيليّة في الشرق لا تتّبع الفصول الكنسيّة بطريقة محدّدة".
د. نصراللّه الّتي أشارت على أنّ الكنائس الإنجيليّة الشرقيّة لا تختلف عن الغربيّة تحدّثت أيضًا عن فروقات بسيطة تميّز كلّ منها. من جهّة تبدأ الكنائس الإنجيليّة الغربيّة فصل الصوم يوم الأربعاء بينما الشرقيّة يوم الاثنين. من جهّة أخرى، تضمّ العديد من العائلات الإنجيليّة أفرادًا من مختلف الكنائس لذا تمتزج تقاليد الكنائس الأخرى مع التقاليد العائليّة في الكنائس الإنجيليّة كنوع الطعام مثلًا والأيّام المميّزة عن سائر الأيّام...
أمّا بالنّسبة للتّقويم المعتمد، فأوضحت د. ريما أنّ "الكنائس الإنجيليّة في الشرق تتّبع بشكل عام التقويم الغربي بحسب الرزنامة الغريغوريّة، لكن تعتمد بعض الكنائس في مناطق عدّة في الشرق تقويم البلد أو المنطقة الّتي تقع فيها". في فلسطين ومصر على سبيل المثال تتّبع الكنيسة الإنجيليّة التقويم الشرقي. أمّا في حمص، سوريا فقرّرت الكنائس كافّة الإحتفال بعيد القيامة معًا لذا عمدت الكنائس الإنجيليّة إلى اتّباع الكنائس الأرثوذكسيّة بالتقويم الكنسيّ؛ وهذا نوع من التماشي مع الكنائس الشقيقة، لكن يُعتبر الإلتزام بتقويم معيّن إختياريًّا وليس أمرًا مفروضًا. إذًا، تمتاز الكنائس الإنجيليّة، وفق د. ريما، بحريّة ذاتيّة وتنوّع لا سيّما وأنّها تضمّ الكنائس اللّوثريّة والمُصلحة والأنغليكانيّة حيث بإمكان كلّ منها تحديد نظامها الخاصّ، وهذا ما يميّزها أيضًا باستقلاليّة جغرافيّة خصوصًا أنّه ليس لها هيكليّة مركزيّة في منطقة معيّنة لاتّباعها.
الشباب والصوم: أنشطة تحضيريّة متنوّعة وخلّاقة
كأستاذة جامعيّة وفي إطار قربها من الشّباب تطرّقت د. ريما نصراللّه إلى الأنشطة الّتي تقوم بها هذه الفئة العمريّة خلال أسابيع فصل الصوم ووصفتها بأنّها "متنوّعة، خلّاقة، عمليّة وروحيّة تتعلّق بمواضيع عدّة، للتحضير نفسيًّا لعيد الفصح". من هنا ذكرت د. نصراللّه أمثلةً عن هذه الأنشطة حيث تمّ اختيار في أحد الأعوام موضوع المياه، الّذي عمل عليه مجلس الكنائس العالمي من خلال برنامج خاصّ، حيث قام الشباب بأنشطة مختلفة تتمحور حول تحدّيات المياه، الرعاية بالخليقة، التغيّر المناخيّ... مرتكزين على مقاطع معيّنة من الكتاب المقدّس لها صلة بهذه المسألة. وفي أحد الأعوام أيضًا، تمّ العمل والتحضير انطلاقًا من إنجيل متّى 25 حيث لجأ الشّباب إلى أنشطة لها علاقة بالأعمال المذكورة في هذا الإصحاح.
في نهاية حديثها، تطرّقت القسّيسة د. ريما نصراللّه الى موضوع وحدة الكنائس مشدّدةً على أنّ "السّعي نحو الوحدة المسيحيّة والعمل المسكونيّ من أهمّ النقاط في جدول أعمال الكنيسة الإنجيليّة حيث التزامها الكبير بتعزيز هذا العمل". أمّا بالنّسبة لترجمته فهي تكمن في الحوار مع الأخوة في سائر الكنائس وبالتّالي العيش معًا من دون أن تكون الكنائس نسخة عن الأخرى، "متّفقين على المبادئ الأساسيّة في إطار المحبّة والإحترام وفهم الآخر والمشاركة بالصلاة والعمل والخدمة والشهادة للمسيح في أي منطقة أو حال كنّا بها". وتمنّت أن يحمل عيد القيامة رجاء للّبنانيّين والمسيحيّين في البلاد "لنعمل معًا ككنائس من من أجل الشهادة المستمرّة للمسيح الحيّ إله الحياة والفرح".