عظة غبطة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي في الأحد الثاني بعد الدنح
تجدون في التّالي عظة غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، في الأحد الثاني بعد الدنح، يوم الأحد 18 كانون الثاني/ يناير 2026، في الصرح البطريركي في بكركي - لبنان.
"هذا هو حمل اللّه الحامل خطايا العالم" (يو 36:1)
1. إنجيل شهادة يوحنا المعمدان عن يسوع أنه "حمل اللّه، الحامل خطيئة العالم" هو إعلان أنّ يسوع هو الذبيحة التي اختارها اللّه نفسه، لا إنسان قدّمها، بل اللّه هو الذي جاد بابنه. هذه الشهادة ليست صدفة، وليست وليدة لحظة عاطفية، بل هي ثمرة تدبير إلهي رسم التاريخ خطوة خطوة، وهيأ يوحنا ليكون الصوت الذي يدلّ على الكلمة، والشاهد الذي يقود إلى النور.
يوحنا لا يتكلم عن فكرة، ولا يقدّم تعليمًا نظريًا، بل يشير إلى شخص حيّ حاضر أمامه. إصبعه ممدود، نظره ثابت، وصوته واضح: "هذا هو". وكأن التاريخ كلّه يتوقّف عند هذه اللحظة، لتُقال كلمة واحدة تختصر كل شيء. حمل اللّه هو ذاك الذي اختاره اللّه نفسه، لا البشر. هو الحمل البريء الذي لا يحمل خطيئة، بل يحمل خطايا العالم. هو الذبيحة التي لا تُفرض بالقوة، بل تُقدَّم بالمحبة.
اللّه هيّأ يوحنا، وحدّد رسالته، وجعله الصوت الذي يدلّ على الكلمة، والشاهد الذي يفتح الطريق أمام مجيء المخلص. يوحنا يعرف أن دوره ليس أن يحتفظ بالتلاميذ، بل أن يدلّهم على المسيح. وهنا تكمن عظمة الشهادة: أن تعرف متى تتكلم، ومتى تنسحب، ومتى تشير إلى الآخر.
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، وبخاصة "بالحركة الرسولية المريمية" التي نلتقي بها للمعايدة في هذا الأحد الثاني بعد الدنح، وفيه اعتلان سرّ المسيح للرسل. فنحيّي سيادة اخينا المطران غي بولس نجيم المشرف العام، ومرشدها العام المونسنيور هادي ضو، ورئيس مجلسها العام عزيزنا إيلي كميد، وأمينة سرّ المجلس عزيزتنا داليا الخوري.
3. الحركة الرسوليّة المريميّة هي حركة كنسيّة، تنبثق من الكنيسة وتلتزم بتوجيهاتها وتشترك بحمل رسالتها. وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأساقفة الذين وضعهم الروح القدس ليرعوا كنيسة اللّه. وتستمدّ قوتّها الرسوليّة من مطابقة أهدافها مع أهداف الكنيسة، وتحاول برمجة نشاطاتها ضمن التخطيط الرسولي الموضوع على صعيد الأبرشيّة والرعيّة.
بكونها حركة كنسيّة، فهي تتعاون مع جميع المنظمات والحركات العاملة في الكنيسة. إنها لا تدّعي المقدرة على حلّ جميع المعضلات، إنما بتضافر القوى يمكن تذليل العقبات التي تعترض البشارة المسيحيّة. وفي هذا المجال على الحركة أن تكون السبّاقة في البذل والعطاء في حقل الربّ. وتعتمد العمل الجماعيّ الذي يتجاوب تماماً مع متطلبات الأعضاء المسيحيّة والإنسانية. وهذا العمل الجماعي هو في الوقت عينه علامة شركة الكنيسة ووحدتها في المسيح القائل "حيثما اجتمع اثنان او ثلاثة باسمي فأنا أكون وسطهم" (متى 18: 20).
إنّ الحركة خادمة لكلّ إنسان ولكلّ الانسان، تريد خدمة الإنسان بكامل شخصيّته. فهي تحاول مساعدته على إنماء ذاتيّ لجميع طاقاته وقواه الروحيّة والجسديّة والفكرية وتهدف من خلال عملها التقديسيّ والتبشيري الى مزيد من الالتزام نحو الانسان الذي من أجله تجسّد ابن اللّه، فصار إنساناً كاملاً ليفتدي الانسان بعطاء ذاته حتى المنتهى على الصليب.
4. لقد شرّفني قداسة البابا بصفتي رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، برسالة شكر على حفاوة استقباله في زيارته إلى لبنان من 30 تشرين الثاني حتى 2 كانون الأول الماضي. سنتلوها عليكم بعد هذه العظة.
5. إنجيل شهادة يوحنّا يضعنا في اليوم الثاني بعد معمودية يسوع. فبعد أن انفتحت السماء فوق يسوع في الأردن، وبعد أن أُعلن عنه علنًا، تبدأ الآن مسيرة الدعوة، مسيرة الاتباع، مسيرة الشهادة التي تقود إلى الخلاص. يوحنا يقف مرة جديدة، لا ليجذب الأنظار إلى نفسه، بل ليحوّلها عن ذاته. عظمته أنه يعرف متى يتراجع، ومتى يصمت، ومتى يشير. هو صوت لا كلمة، شاهد لا محور.
«هذا هو حمل اللّه». بهذه الشهادة، يرسم يوحنا طريق التلاميذ، وطريق الكنيسة، وطريق كل مؤمن. فالحمل هو الذبيحة، هو الوداعة، هو من يحمل خطايا العالم لا بالسيف، بل بالمحبّة، لا بالقوة، بل بالبذل.
6. أندراوس والتلميذ الآخر سمعا الشهادة وتبعا يسوع. لم يطلبا شرحًا طويلًا، بل مشيا وراء يسوع، فالتفت إليهما وسألهما: «ماذا تريدان؟». سؤال يكشف القلب. فأجابا: «يا معلّم، أين تسكن؟». فأجابهما: «تعاليا وانظرا». فذهبا ومكثا عنده ذلك النهار. اللقاء الحقيقي لا يُشرح، بل يُعاش.
ثم نرى ثمرة الشهادة: أندراوس لا يحتفظ بالخبر لنفسه، بل يذهب إلى أخيه سمعان ويقول له: «وجدنا المسيح». فيذهب سمعان دون أي سؤال، فقط ليرى. وعندما التقى يسوع، نظر إليه وقال له: «أنت سمعان ابن يونا، وستُدعى بطرس»، أي الصخرة. هكذا تصنع الشهادة: من يسمع يتبع، ومن يتبع يلتقي، ومن يلتقي يتغيّر، ومن يتغيّر يصبح أساسًا لغيره…
هذه العظة قد نُشرت على صفحة البطريركيّة المارونيّة على موقع فيسبوك، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.