غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان يحتفل بقداس عيد الدنح (الغطاس) في كنيسة العائلة المقدسة، سدّ البوشرية – المتن، لبنان
في تمام الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الثلاثاء 6 كانون الثاني/ يناير 2026، احتفل غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، والرئيس الفخري لمجلس كنائس الشرق الأوسط، بالقداس الإلهي لمناسبة عيد الدنح أي الظهور الإلهي (الغطاس)، وهو عيد عماد الرب يسوع على يد يوحنّا المعمدان في نهر الأردن، وذلك على مذبح كنيسة العائلة المقدسة، سدّ البوشرية – المتن، لبنان.
عاون غبطته في القداس الخوراسقف حبيب مراد، والأب كريم كلش، والأب طارق خيّاط. وخدم القداس بعض الشمامسة من طلاب إكليريكية سيّدة النجاة البطريركية - الشرفة، وشمامسة إرسالية العائلة المقدسة للمهجَّرين العراقيين في لبنان، وأعضاء الجوق، بحضور ومشاركة جموع غفيرة من المؤمنين من أبناء الإرسالية ومن بعض رعايا أبرشية بيروت البطريركية.
في بداية القداس، أقام غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان رتبة عيد الدنح وتبريك المياه بحسب الطقس السرياني الأنطاكي، حيث طاف في زيّاح مهيب داخل الكنيسة، وشّح خلاله غبطتُه السيّد راني سعد أرميناك بخمارٍ أبيض، ليمثّل إشبين الرب يسوع، بحسب العادة المتَّبَعة، فيحمل قنّينة الماء التي يعلوها الصليب المقدس.
ثمّ بارك غبطته المياه المُعَدَّة ليتبارك منها المؤمنون، وتكون لصحّة النفوس والأجساد، والحماية من المضرّات، ومَعين القداسة والخيرات، ومصدر المعونة والتعزية. كما أقام غبطته بركة الجهات الأربع بالصليب المقدس والمياه المبارَكة، ثمّ بارك جرن المعمودية بهذه المياه.
وفي موعظته بعد انتهاء الرتبة، تحدّث غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان عن "عيد الدنح، عيد الغطاس، وهو عيد كبير، عيد عماد الرب يسوع وعيد ظهوره في نهر الأردن، والدنح كلمة سريانية ܕܶܢܚܳܐ تعني "الظهور". فهو الرب المسيح الذي أعلنه الآب: هذا هو ابني الحبيب، وحلّ عليه الروح القدس بصورة حمامة ترفرف حتّى يخلّصنا. هذا العيد مهمّ جداً منذ بداية المسيحية، والكنيسة اللاتينية تحتفل فيه بعيد ظهور يسوع المخلّص عندما أتى المجوس من بلاد الشرق لكي يعبدوه ويقدِّموا له الهدايا. وكان هذا العيد يسمَّى في الشرق عيد الظهور الإلهي، فعدا عن أنّ المجوس اعترفوا بملوكية يسوع، في عماد يسوع في نهر الأردن كُشِفَ لنا السرّ الإلهي، سرّ كلمة الآب الأزلي الذي أتى لخلاصنا".
وتأمّل غبطته بقول للقديس مار يعقوب السروجي، ملفان الكنيسة السريانية، وهو يجري مقارنة بين العذراء مريم والمعمودية: «ܒܬܽܘܠܬܳܐ ܠܡܳܪܰܢ ܦܰܓܪܳܐ ܝܶܗܒܰܬ݀ ܕܢܶܗܘܶܐ ܐ̱ܢܳܫܳܐ܆ ܡܰܥܡܽܘܕܺܝܬܳܐ ܒܪܽܘܚܳܐ ܨܒܰܥܬܰܢ ܢܗܶܐ ܐܰܠܳܗ̈ܶܐ. ܬܰܪܬܶܝܢ ܐܶܡܗ̈ܳܢ ܠܰܢ ܘܰܠܡܳܪܰܢ ܐܺܝܬ ܚܰܕ̱̈ܬܳܬܳܐ܆ ܠܡܳܪܰܢ ܡܰܪܝܰܡ ܐܳܦ ܠܰܢ ܕܺܝܠܰܢ ܡܰܥܡܽܘܕܺܝܬܳܐ». وترجمته: "البتول أعطت الجسد لربّنا كي يضحي إنساناً، المعمودية بالروح صبغَتْنا كي نصبح آلهة. كلاهما أُمّان، لنا ولربّنا، وقد جاءتا بالأمور الجديدة الفائقة: لربّنا مريم، والمعمودية لنا نحن".
ونوّه غبطته بأنّه "في هذا العيد نودّ أن نشكركم كلّكم على مشاركتكم في هذا الإحتفال المهمّ، علماً أنّ كنيستنا هذه، كما ترون، كنيسة صغيرة، ففي سبعينيات القرن العشرين، للأسف، كانت الأرض المقابِلة لنا هنا معروضة للبيع، وكنّا نتمنّى لو تملّكَتْها كنيستنا آنذاك، لكن للأسف لم نحصل عليها كي نبني كنيسة أكبر هنا في هذه المنطقة حيث يسكن كثيرون من أولادنا. لا نعرف ما كانت الظروف في السبعينيات، لكن في هذه الكنيسة الصغيرة بدأ الصلاة حينذاك سيادة المطران مار ربولا أنطوان بيلوني، وكان كاهناً حينها، ولا نزال نستعملها كي نصلّي ونحتفل بالقداديس ونقيم الإحتفالات الكنسية، ونشكر الرب على كلّ ما يعطينا ويسمح أن يواجهنا من صعوبات وتحدّيات كبيرة".
وأشار غبطته إلى أنّنا "سمعنا من إشعيا النبي، وهو من الأنبياء الأربعة الكبار الذين نقرأ عادةً نبوءاتهم، يتكلّم عن المسيح المنتظَر الذي سيأتي ويخلّصنا بآلامه وموته. وسمعنا من أخبار الرسل، وهو الكتاب الخامس في العهد الجديد بعد الأناجيل الأربعة، والذي كتبه لوقا الأنطاكي الذي كان قريباً جداً من مريم العذراء، وكتب أيضاً الإنجيل الثالث المدعوّ إنجيل لوقا، ويخبرنا كيف أنّ أحد الأشخاص المهمّين من الحبشة في ذاك الوقت، تعمّد على يد الرسول فيلبّس. تصوّروا أنّ الحبشة، اليوم إثيوبيا، أصبحت مسيحية منذ بداية عهد الرسل، خاصّةً بكرازة هذا الشخص الذي كان مهمّاً في بلاط الملك، والذي يبدو أنّه كان حبشياً يهودياً، أتى إلى أورشليم ليسجد في الهيكل، وعاد فأصبح مسيحياً، والكنيسة في إثيوبيا قديمة ومهمّة جداً".
ولفت غبطته إلى أنّنا "سمعنا من مار بولس الذي كتب إلى تلميذه تيطس أنّ الرجاء بالمسيح لا يخيب، إذا كنّا نعيش هذا الرجاء بروح الله وبالطاعة له وبقبول كلّ ما يسمح أن نمرّ به في حياتنا، لأنّنا ننتظره في مجيئه الثاني، مهما كانت صعوباتنا. أمّا النص الذي سمعناه من إنجيل لوقا، فيتكلّم أولاً عن يوحنّا المعمدان، هذا الشخص الذي كانت أقرب إلى يسوع، وهو يشبهه في أمور عدّة، وقد كانت ولادته أعجوبية من رجل وامرأة مسنَّين وعاقرين، وعاش حياته متخلّياً ومتجرّداً في البرّية، ونال شرف الإستشهاد لأنّه كان يدافع دائماً عن الحقيقة وينبّه الخطأة، مثل الملك آنذاك".
وأكّد غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان على أنّ "يوحنّا كان يعلن للشعب: لستُ أنا المسيح، ويعترف بكلّ تواضع أنّ المسيح هو الذي سيأتي ويعتمد، والآب سيكشفه لنا، والروح القدس سيحلّ عليه. هذا الأمر يجعلنا نتيقّن أنّ علينا نحن، كأبناء وبنات الكنيسة، قبل كلّ شيء، أن نعيش حياتنا بالطاعة للرب وبالتواضع، فلا نعتقد أنّنا بعلمنا أو ببعض الأمور التي نجحنا فيها، نصبح أفضل من غيرنا، بل علينا أن نحيا المحبّة الحقيقية التي تجمع ولا تفرّق".
وهنّأ غبطته "بهذه المناسبة السيّد راني الذي تميَّز وكرّمَتْه الكنيسة أن يكون عرّاب يسوع، إشبيناً في معموديته، جرياً على التقليد المتوارَث في كنائسنا السريانية، فليباركه الرب وعائلته".
وجدّد غبطته "تهانئنا للخوراسقف الجديد أبونا حبيب مراد الذي، في السادس والعشرين من كانون الأول الماضي، نال الدرجة الخوراسقفية، كي يتابع خدمته بأمانة وبروح الله وبالطاعة للكنيسة".
وشكر غبطته "أبونا كريم كلش وأبونا طارق خيّاط اللذين يخدمانكم بكلّ محبّة وتفانٍ، ونشكر أيضاً الشمامسة وعضوات الجوق وصغارنا الشباب الذين يخدمون هذا الإحتفال الروحي. كما نشكر لجنة الكنيسة وكلّ الذين يتعبون في تنظيم هذه الإحتفالات، وفي جعل إرساليتكم، رعيتكم، حقيقةً عائلة مسيحية تجتمع وترتبط وتتّحد بالمحبّة الحقيقية. لذلك نسأل الرب أن يبارككم بجاه هذا العيد، وأن تدوم نِعَمُه وبركاته في قلوبنا وعائلاتنا وكنيستنا ومجتمعنا".
وختم غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان موعظته قائلًا: "لكم جميعاً نهانئنا بعيد عماد الرب يسوع، فليحفظكم الرب ويحفظ أحبّاءنا الصغار والشبيبة، كي نكون كلّنا عائلة الرب يسوع، نفتخر به وبعماده من أجل خلاصنا، ونشكره على كلّ إنعاماته علينا، بشفاعة أمّنا مريم العذراء، وجميع القديسين والشهداء".
وبعد البركة الختامية، تمّ توزيع قناني المياه المبارَكة على المؤمنين، بركةً لهم ولعائلاتهم ومنازلهم. ثمّ تقبّل غبطته تهاني المؤمنين بهذا العيد المبارَك، ومنحهم بركته الرسولية عربون محبّته الأبوية.
هذا الخبر قد نُشر على صفحة بطريركيّة السريان الكاثوليك الأنطاكيّة على موقع فيسبوك.