عظة غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في أحد تذكار الموتى المؤمنين
تجدون في التّالي عظة غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، في تذكار الموتى المؤمنين، يوم الأحد 8 شباط/ فبراير 2026، في الصرح البطريركي الماروني في بكركي - لبنان.
"عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا لهم" (لو 29:16)
1. تذكر الكنيسة اليوم في هذا الأحد والأسبوع الطالع الموتى المؤمنين. وتصلّي لراحة نفوسهم وتعزية عائلاتهم، ومن أجل الأحياء ليصغوا إلى كلام اللّه في مسيرة الدنيا. "فموسى والأنبياء" هم اليوم "الكنيسة" التي تعلن وتعلّم الكتب المقدسة في عهديها القديم والجديد.
نقف اليوم أمام مثل الغني ولعازر، لنقرأ في ضوئه حياتنا وعلاقاتنا، ونستشعر عمق العدالة الإلهية والرحمة التي تحكم الكون. يؤكّد لنا الرب يسوع في هذا المثل أن الغنى ليس بذاته ذنبًا، وأن الفقر ليس سببًا للخلاص، بل إن المسألة تتعلق بالروح، بالنية، وبكيفية استخدام ما وهبنا اللّه من عطايا.
الغني الذي عاش في ترف ولم يمد يد الرحمة للعازر الذي كان عند باب دارته، يُظهر لنا أن هلاكه لا يكون بسبب ما يملكه، بل بسبب تعلقه بما وهبه اللّه له دون أن يحوّله إلى فعل محبة ورحمة. ولعازر الذي صبر واستسلم لإرادة اللّه، يُعلّمنا أن التسليم والثقة بقدرة اللّه على التغيير والعدل هما طريق الخلاص. إن هذا المثل ليس مجرد سرد للأحداث، بل دعوة مستمرة لكل واحد منا ليفتح قلبه، ليغذّي روحه، ويعيد النظر في أولوياته وأعماله.
2.يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا لنحتفل معًا بهذه الليتورجيا الإلهية لراحة نفوس موتانا. وأوجّه تحية خاصة إلى عائلة المرحومة الآنسة بيارات فارس فهد التي ودّعناها مع شقيقيها وشقيقتها وعائلتها وسائر انسبائهم وأهالي عشقوت العزيزة في 15 كانون الأول الماضي. كما أرحّب بعائلة المرحوم الشاب أنطونيو نصّار، مع والده قنصل موريتانيا إيلي ناصر نصّار ووالدته السيدة ندى، ومع شقيقه شربل قنصل لبنان العام في لوس أنجلوس وشقيقته وجدته لأمه، وقد ودّعناه معهم في 25 كانون الثاني المنصرم. نذكرهما مع موتانا ونعزّي أسرتيهما.
3. إنجيل الغني ولعازر ليس قصة عن المال والفقر فحسب، بل هو إنجيل المسؤولية، والرحمة، والعدالة الإلهية، والإصغاء إلى كلمة اللّه قبل فوات الأوان. هذا الإنجيل هو مرآة نرى فيها ذواتنا، أفرادًا وجماعات، كنيسةً ووطنًا.
الغني لم يهلك لأنه غنيّ. فالغنى في الكتاب المقدس عطية وبركة من اللّه. لكنه هلك لأنه فضّل العطية على المُعطي، وتعلّق بما في يده ونسي اللّه الذي وهبه كل شيء. هلاكه كان بسبب سوء استعمال النعمة، وليس بسبب امتلاكها. أمّا لعازر، فلم يخلُص لأنه فقير. بل لأنه عاش فقره بصبر وصمت. لم نسمع في الإنجيل أنه ثار، أو شتم، أو انتقم. قبِل وضعه، وترك دينونته لله. فكان خلاصه ثمرة إيمان صامت، وصبر عميق، وثقة لم تنكسر.
4. هذا المثل يشير إلى أن العدالة الإلهية ليست مجرد عقاب أو مكافأة، بل هي كشف للحقيقة، وفرصة للتوبة، لتغيير المسلك الشخصي قبل فوات الأوان. الإصغاء إلى كلام اللّه هو مفتاح الحياة الصحيحة، وهو ما يجعلنا ندرك قيمة حياتنا، وطريقة تعاملنا مع نعم اللّه وعطاياه، وكيفية عيشنا المسؤولية تجاه الآخرين.
فثمّة مبدآن أساسيان في تعليم الكنيسة الاجتماعي: المبدأ الأول يقول: "خيرات الأرض مُعدّة من اللّه لجميع الناس". والمبدأ الثاني: "لا أحد يملك شيئًا بالمطلق. فالملكية الخاصة مطبوعة برهن اجتماعي"…
هذه العظة قد نُشرت على صفحة البطريركيّة المارونيّة على موقع فيسبوك، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.