عظة غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في عيد القدّيس مارون
تجدون في التّالي عظة غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، في عيد القدّيس مارون، يوم الاثنين 9 شباط/ فبراير 2026، في كنيسة مار جرجس - وسط بيروت.
"حبّة الحنطة إذا وقعت في الأرض وماتت أعطت ثمرًا كثيرًا" (يو 22:12)
فخامة رئيس الجمهورية والسيدة اللبنانية الأولى،
دولة رئيس مجلس النواب،
دولة رئيس مجلس الوزراء،
1. يسعدني أن أرحّب بكم، باسم سيادة المطران بولس عبد الساتر، رئيس أساقفة بيروت، وأنتم على رأس وزراء ونواب وأصحاب مقامات مدنية وروحية، وسيادة السفير البابوي وممثلي أصحاب الغبطة البطاركة والسادة الأساقفة، ومؤمنين ومؤمنات، أتيتم جميعًا للاحتفال بالعيد الوطني لأبينا القديس مارون، أبي الطائفة المارونية. نرحّب بكم جميعًا في هذا العيد المجيد، عيد القداسة المتجذّرة في التاريخ، عيد الإيمان الذي لم ينكسر أمام الاضطهادات والضيقات والصعوبات، ولم يساوم على الحرية والقيم الإنجيلية، ولم يساكن الظلم، بل حمل الصليب ومشى وراء يسوع.
فإنّا نصلّي معكم ومن أجلكم لكي، بشفاعة القديس مارون، تتمكّنوا مع معاونيكم في السلطتين التشريعية والإجرائية، من حصر السلاح، وتطبيق وقف إطلاق النار والقرار 1701، وانسحاب إسرائيل من جنوبي لبنان، وبسط كامل سيادة الدولة اللبنانية على جميع أراضيها، وتمكين الجيش من تنفيذ خطّته، والقيام بعملية إعادة الإعمار، وإجراء الإصلاحات.
2. عاش القديس مارون في القسم الثاني من الجيل الرابع، وتوفي سنة 410، ناسكًا في العراء، بمنطقة القورشية الواقعة بين مدينتَي أنطاكية وحلب. كتب سيرة حياته الأسقف تيودوريطس مطران القورشية في كتابه: "أصفياء اللّه". منحه اللّه هبة الشفاء من أمراض النفس والجسد بقوة صلاته. كتب إليه من منفاه في الكوكاز القديس يوحنا فم الذهب بطريرك القسطنطينية، رسالة جاء فيها: "حتى ولو كنا بعيدين عنك بالجسد، فإننا نواصل التفكير في نشاطاتك، فنطمئن ونحصل على الكثير من التعزية، ونحن هنا في هذا المنفى. وجلّ ما نطلب منك أن تصلّي لأجلنا".
3. "حبة الحنطة، إذا وقعت في الأرض وماتت، أعطت ثمرًا كثيرًا" (يو 12: 22). حبة الحنطة هي المسيح نفسه الذي مات مصلوبًا في أورشليم، فانبثقت من موته الكنيسة بعنصريها الإلهي والبشري. هذا الواقع حاضر أبدًا في سر الافخارستيا. فالخبز الذي يُكسر هو علامة السيد المسيح المعطى لنا، وهو في الوقت عينه دعوة لكنيسة الأرض، جماعة المؤمنين، ولكل مؤمن ومؤمنة أن يُكسر حبًّا، ليصير غذاءً روحيًا ورجاءً للآخرين.
وحبة الحنطة هذه تطبَّق على القديس مارون الذي مات عن نفسه في جبل قورش، فولدت منه الكنيسة المارونية التي تجذّرت في لبنان، وانتشرت في العالم كله. إنّ حبة الحنطة هذه تعلّمنا أنّ الحياة التي لا تعرف التضحية تبقى عقيمة. والإنسان الذي يرفض أن "يموت" عن أنانيّته لا يعطي ثمرًا. هناك كثيرون يمرّون في الحياة ولا يتركون أثرًا، لأنهم لم يعطوا شيئًا، ولم يضحّوا بشيء، ولم يحملوا مسؤولية شيء، سوى كلامهم الفارغ.
4. هذا النهج هو إنجيل التضحية: موت عن الذات وحياة، يدعونا إليه الرب يسوع، وعاشه القديس مارون. يكتب الطوباوي البطريرك إسطفان الدويهي في كتابه: "أصل الموارنة": أن عددًا من الرجال النسّاك والنساء الناسكات تتلمذوا على يد القديس مارون وسلكوا النهج عينه تابعين الإنجيل فنذكر من بينهم البار سمعان العامودي والذين تركوا الدنيا، وطلبوا النسك وعيشة التقشّف في جبل قورش.
5. وشاءت العناية الإلهية أن تتطوّر المسيرة وتترسّخ، بفعل الإشراق الروحي وفعالية الفضائل في الأشخاص والجماعات، فتنتقل الرسالة من أبوّة معلّم قديس وقدوة، إلى تلاميذ التفّوا حوله واقتنعوا بنهجه النسكي وغيرته الروحية الإنسانية، إلى بيئة شعبية تحلّقت حولهم جميعًا وما لبثت أن بنت، تخليدًا لذكرهم، على اسم الشفيع المميّز، أديرة عديدة، لاسيما دير مار مارون على نهر العاصي.
في هذا الصدد، يخبرنا الدويهي "أنّ في هذه البلاد، شاع ذكر بعض قديسين، وقصدوا فيها حياة الوحدة. وبمدّة يسيرة من الزمان، أصبح ديرًا عظيمًا، حتى بلغ عدد رهبانه ثمان ماية، وكانت له الرئاسة على سائر الأديرة".
6. حمل الموارنة في مجتمعهم السرياني لواء الدفاع عن العقيدة التي أعلنها مجمع خلقيدونيا (451) الذي أثبت "أن في يسوع، ابن اللّه طبيعتين كاملتين إحداهما إلهية والثانية بشرية في أقنوم واحد".
وبسبب اتحادهم الدائم بكرسي بطرس في رومية، وبسبب عدم وجود بطريرك في أنطاكية، كرسي بطرس الأول، غير متّحد مع رومية، انتخب المطارنة الموارنة رؤساء الأديار أول بطريرك على كرسي أنطاكية بشخص أسقف البترون القديس يوحنا مارون. وهكذا تكوّنت الكنيسة المارونية، وتمركزت في لبنان عبر العصور الصعبة تارةً، والسهلة تارةً أخرى، فكتبت تاريخها على أرضه، وأصبح لبنان الوطن الروحي للموارنة، إذ فيه الكرسي البطريركي والقديسون والأبرشيات والرهبانيات والمؤسسات والتراث والآثار. وتشلّشت الطائفة المارونيّة في أرضه وصخوره، وفيه عاشت مع إخوانهم المسلمين جمال العيش المشترك وحوار الحياة والثقافة والمصير. ومن لبنان انتشرت في القارات الخمس، فكانت لها فيها أبرشياتها ورعاياها ورسالاتها…
هذه العظة قد نُشرت على صفحة البطريركيّة المارونيّة على موقع فيسبوك، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.