رسالة الصوم الأربعيني 2026 لغبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا
تجدون في التّالي رسالة الصوم الأربعيني 2026 لغبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للّاتين.
أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء في المسيح،
مع بداية زمن الصوم المقدّس، تدعونا الكنيسة إلى أن نقوم بمسيرةٍ مشتركة من الصلاة والتوبة والارتداد، مسيرةٍ تقودنا إلى قلب إيماننا النابض، الذي هو عيد الفصح المجيد. إن هذا الزمن المليء بالنعمة، هو هبةٌ لنا، وفرصة ثمينة لتطهير قلوبنا، وتجديد إيماننا، وإعادة توجيه حياتنا نحو الله. إنه ليس مجرّد زمن حرمان، بل هو دعوة لاكتشاف المعنى الحقيقي لوجودنا، وللعودة إلى ذلك الحبّ الأول الذي نلناه في سرّ المعمودية.
وفي أبرشيتنا، ولا سيّما في مدينة القدس، المدينة التي تحفظ الذاكرة الحيّة لآلام ربنا يسوع المسيح وموته وقيامته، يأخذ هذا المسار الروحي معنىً فريدًا ومؤثّرا للغاية. ففي الأرض المقدّسة، حيث صار الكلمة جسدًا وسكن بيننا، نحن مدعوون إلى أن نتبع بخطى ثابتة آثار المخلّص، كي ندخل بعمق في سرّ محبته الخلاصية، وكي نقبل دعوته إلى السير وراءه.
آلام المسيح: طريق ارتداد ورحمة
الصوم هو الزمن الملائم لنثبّت أنظارنا على الذبيحة العظمى التي قدّمها يسوع، حين بذل حياته من أجل خلاصنا. وكما يذكّرنا إنجيل يوحنا: « أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، فبلغَ بِه الحُبُّ لَهم إِلى أَقْصى حُدودِه » (يو 13: 1). هذا الحبّ، الذي بلغ حدّ البذل الكامل، هو أساس رجائنا. وفي زمن الصوم، نحن مدعوون للتأمل في عمق هذا الحبّ الذي لا يعرف حدودًا. إن اتّباع يسوع يعني الإصغاء إلى ندائه: "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَليَزهدْ في نَفسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني." (متّى 16: 24). الصليب ليس مجرّد رمز للألم، بل هو الطريق التي ننال من خلالها الحياة الحقيقية.
وفي هذا السياق، كلّ واحد منا مدعوّ إلى أن يعيد اكتشاف سرّ المصالحة، حيث نختبر الوجه الملموس لرحمة الآب. إنه لقاء شفاء ومحبّة. فلنستعدّ له بفحص ضمير جدّي، سائلين الرب أن ينير مناطق الظلّ في قلوبنا ولنسمح لنعمة المسيح،
تلك النعمة التي حصلنا عليها بثمن غالٍ على خشبة الصليب هنا، في أرضنا المقدسة، بأن تجدّد في داخلنا جمال المعمودية، فنشهد لسلامه بحرّيّة كاملة وفرح غامر.
الصلاة: نَسمَةُ الروح
الصلاة هي روح مسيرة الصوم. ففي الصلاة، كما فعل يسوع في البرّية (متّى 4: 1-11)، نجد قوّة للانتصار على التجارب والبقاء أمناء للآب. في هذا الزمن المفعم بالنعمة، نحن مدعوون إلى المواظبة أكثر على الصلاة الشخصية والجماعية. فلنخصّص أوقاتًا للصمت، على مثال يسوع في بستان الزيتون، ولنعهد إلى الله بأتعابنا، وآمالنا، ورغباتنا في الخير. ولتكن صلاة المسبحة بوصلة حياتنا اليومية، وتوقنا إلى السماء. فمن خلال أسرار المسبحة نتجوّل مع مريم بين مراحل حياة يسوع، ونكتشف من جديد ينبوع خلاصنا.
ولنعطِ اهتماما خاصا للصلاة من أجل السلام. مِن الأرض المقدّسة، ملتقى الشعوب والأديان، لنرفع إلى الله تضرّعًا ملحًا من أجل المصالحة، ومن أجل إنهاء كل عنف، ومن أجل نعمة سلام عادل ودائم لجميع سكّان هذه الأرض المحبوبة والمتألّمة.
في كل يوم، في كنائسنا وبيوتنا، لنصلّ كيما يصغي الرب إلى صراخ المتألّمين ويهب السلام. ولنتجاوب بكلّ قلوبنا مع نداء بولص الرسول الذي يناشدنا: «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (1 تسا 5: 17).
الصوم والصدقة: جناحان لتقدمة واحدة
بحسب تقليدنا الكنسي وقانون الكنيسة، يشتمل الصوم الأربعيني على يومين مهمّين وملزمين وهما أربعاء الرماد الذي يفتتح زمن الصوم، والجمعة العظيمة. وفي هذه الفترة يُطلَب من المؤمنين أيضًا الامتناع عن أكل اللحم أيام الجمعة. ومن المستحسن ممارسة الامتناع أيضًا أيام الأربعاء من زمن الصوم، كما يفعل العديد من المؤمنين في الأرض المقدسة. الصوم ممارسة قديمة ومثمرة للتطهير الداخلي. يساعدنا على التحرّر من الفائض عن الحاجة لنبحث عمّا هو جوهري أي عن الله وملكوته. وكما يحذّرنا يسوع، لا يجوز أن يكون الصوم مظهرًا خارجيًا، بل حالة نعيشها في الخفية، بتواضع وإخلاص (متّى 6: 16–18). ومع ذلك، فإن الصوم الحقيقي الذي يريده الله يتجاوز الامتناع عن الطعام. يذكّرنا النبي إشعياء بقوة بأن الصوم هو: « حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير، وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْرارًا؟ » (أش 58: 6)
يجب أن يكتمل صومنا بمحبّة فعّالة. فالصوم هو الزمن الذي تنفتح فيه توبتنا على الله وعلى محبّة الفقراء. ومن الجميل أن تُنظّم في كلّ رعية وجماعة كنسية حملات جمع تبرعات من أجل الفقراء وذوي الحاجة. والمال الذي نوفّره من خلال تخلّينا عن بعض الأمور، من امتناعنا عن وجبة، أو من تضحية يوميّة صغيرة، يصبح عونًا ملموسًا للعائلات المتعثّرة، وللعاطلين عن العمل، وللمسنّين الذين بلا سند، وللأطفال المتألمين.
لنقم بزيارة مَن يعيشون في عزلة، ولنكرّس بعض الوقت للمرضى. لا ندع توبتنا تبقى عقيمة، بل لنحوّلها إلى محبة وقرب من الآخرين، ولاسيما من الأكثر هشاشة في مجتمعنا الذي تعصف به التوترات. من خلال وجوه هؤلاء نلتقي وجه المسيح القائل لنا: « إِنَّكُمْ بي قد فَعَلْتُمُوهُ.» (متّى 25: 40).
الأرض المقدسة: دعوة إلى السلام والمصالحة
الأرض المقدسة، أرض الفداء، تحفظ تاريخ الوحي، ووعود الله – وفي مقدمتها الوعد بالسلام. ومع ذلك، لا تزال تختبر ويلات الصراع. وعلى هذه الأرض التي تقدّست بدم المسيح، نحن مدعوون قبل كل شيء إلى أن نكون صانعي سلام. ولتتجسّد شهادتنا المسيحية في الاحترام، وفي الحوار الصادق، وفي السعي الدؤوب إلى العدالة. « طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ يُدْعَوْنَ» (متّى 5: 9). ولتكن صلاتنا وأعمال محبّتنا، بلا تمييز، علامة صادقة على سعينا للمصالحة والسلام.
ولنوجّه أنظارنا نحو القيامة
أيها الإخوة والأخوات،
إن زمن الصوم ليس مسيرة بلا هدف، بل رحلة حجٍّ نحو عيد الفصح، نحو نور فجر القيامة الذي لا يُقهَر. كل خطوة نخطوها، كل تضحية، كل عمل محبّة، ينيره رجاء القيامة. فلو لم يقم المسيح، لكان إيماننا باطلاً (راجع 1 كور 15: 14). لكنّه قام حقًا! وهذا اليقين يمنحنا القوة لنسير، ولنتوب بقلوب صادقة، ولنعطي من دون تحفظ، ونحن نتطلّع إلى الفرح الذي ينتظرنا.
أرافقكم بصلاتي في هذه المسيرة المقدسة. لنَعِش هذا الصوم على أنه زمن نعمة حقيقية. ومن خلال توبة صادقة، وصلاة مثابرة، وصدقة سخية، لنجدّد، نحن سكان هذه الأرض المقدسة التي نحبّها، مواعيد معموديتنا، وعهدنا مع الله، والتزامنا الأخوي.
صوم مبارك، ومسيرة مقدسة للجميع!
القدس 11/2/2026
† الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالّا
بطريرك القدس للاتين
هذه الرسالة قد نُشرت على موقع البطريركيّة اللّاتينيّة في القدس.