الليتورجيا (الطقوس) ليست قوالب جاهزة، انما تطوِّرٌ مستمر
مقال بقلم غبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو
غبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكلدان في العراق والعالم، والرئيس الفخري لمجلس كنائس الشرق الأوسط
لقد شاركتُ في 17 و18 من شهر كانون الثاني الماضي، في كونسيستوار الكرادلة بروما. شعرتُ فعلا انه كان سينودسًا حقيقيًا. تبادلنا الآراء في الفرق الصغيرة والعامة حول أربعة مواضيع كان البابا لاون الرابع عشر قد اقترحها علينا: فرح الإنجيل، والسينودسية، والوعظ، والليتورجيا. هذه المواضيع الأربعة مرتبطة ببعضها، وتتمحور حول البشارة و رسالة الكنيسة.
صورة أرشيفيّة
العالم تغيّر كثيرًا. والسؤال المطروح على ضمير الكنائس هو: ” كيف نكرز بالإنجيل، وكيف نحتفل بحضور المسيح؟ بأية لغة نتحدّث عن إيماننا للآخرين الذين ينتظرون منا شهادةً حقيقية؟ هذه المسؤولية الكبيرة تقع على عاتق الكنيسة باستمرارية تطوير تعاليمها وطقوسها التي ليست قوالب جاهزة، لكي تتلاءَم مع عقلية الناس اليوم”. في تاريخ الكنيسة نجد ان الليتورجيا خضعت عدة مرّات لإصلاحات وتجديدات.
الليتورجيا liturgia باليونانية تعني الصلاة الرسمية لشعب الله(الكنيسة)، الملتئمة حول المسيح للاحتفال بحضوره والمشاركة في سر فصحه بفرح ورجاء. المسيح هو محور الليتورجيا.
الليتورجيا هي بمثابة تعليمٍ مسيحيٍّ catechism أيضاً، ليتعرف المؤمنون على المسيح أكثر و يحبوه بشغف ويقتدوا به. هذا يحصل من خلال الانصات الى قراءات الكتاب المقدس، والتراتيل والادعية والرموز الغنية والموعظة.
الصلاة الليتورجية تمنح المؤمنين قوّةً للالتزام بايمانهم، والامانة له وسط تحديات الحياة العديدة، والتقدم في طريق القداسة عندما يجعلون المسيح مشروع حياتهم بكاملها ببساطة وثقة وفرح.
ليس صحيحا أني واباء السينودس الكلداني دمرنا طقوس كنيستنا، بل على العكس رفعنا منها العناصر الدخيلة، والتكرارات المملة، وابرزنا معانيَها الاصيلة والعميقة والجميلة، واتبعنا استخدام لغة مفهومة وبسيطة لتشجيع المؤمنين على المشاركة فيها والاغتناء بمعانيها ورموزها وروحانتها. انها جواهر ثمينة!
تكوين طقوس العبادة أستغرق وقتاً طويلاً. لم يستقر الا في القرون الوسطى. في البداية كان المسيحيون الاولون ببساطة يترددون الى الهيكل أو المجمع اليهودي للصلوات الاعتياديّة، ويلتقون في أحد البيوت مساء الأحد للصلاة، والتعليم وكسر الخبز باستعداد تام ليقودهم الرب. لكن بانتشار المسيحية في أوساط متعددة وبخاصة الوثنية، وازدياد عددِ المنتمين اليها، دفع الكنائس المحلية الى التعبير عن إيمانها في طقوس وممارسات منظمة، تلبي حاجات مؤمنيها وحسّاسيّتهم ومحيطَهم الفكري والنفسي والاجتماعي والثقافي. واستخدموا لغة الناس لزمانهم: اليونانية واللاتينية والكلدانية السريانية. اليوم معظم الناس لا يفهمون هذه اللغات؟
يعود الفضلُ في تنظيم طقوس العبادةworship ، ورتب الأسرار sacraments قي كنيسة المشرق الكلدانية والأشورية الى البطريرك العظيم ايشوعياب الثالث († 649) ورهبانِ الدير الأعلى (الطهرة الحاليّة في الموصل). نظمّت السنة الطقسية الكلدانية على محور “التدبير الخلاصي– ܡܕܒܪܢܘܬܐ ” حتى يَنْصَبُّ اهتمام المؤمنين على مدار السنة، على التأمل في محطات حياة المسيح، يأخذون منه ويضيفونه الى ما هم عليه كي يتحول شيئا فشيئا اليهم. وحصلت تجديدات في زمن البطريرك طيمثاوس الكبير(† 823) وطيمثاوس الثاني (†1332). وبالنسبة للكلدان في زمن البطريرك يوسف الرابع هندي(† 1781) وعمانوئيل الثاني(† 1947) الذي نشر عام 1901 النص الذي كان قد أعدّه البطريرك عبديشوع خياط(†1899) والأب بولس بيجان، والبطريرك بولس الثاني شيخو(†1989).
التجديد قضية حيوية في زماننا
اليوم كلُّ شيء تغيّر. فترى الكنيسة ضميريًّا انها ملزمة بتطوير طقوسها تطورأً بنيوياً. هذا ما يؤكده المجمع الفاتيكاني الثاني( 1962-1965) لكل الكنائس الكاثوليكية: ” لكي يحصل الشعبُ المسيحي بكل تأكيد على نعم غزيرة في الطقسيات، ارادت أُمنا الكنيسة المقدسة أَن تعملَ بكل رصانة على تجديد الطقسيات العام بالذات… ويقتضي هذا التجديد تنظيم النصوص والطقوس بحيت تُعبِّرُ بأَكثر جلاء عن الحقائق المقدسة التي تَعني. وبحيث يتمكن الشعب المسيحي، على قدر المُستطاع، أن يفقهها بسهولة، وان يشترك بها اشتراكًا تامًّا، فعَّالاً وجماعيًا (دستور في الليترجيا المقدسة رقم 21).
تتميز الليتورجيا في طبيعتها بعناصر تتغير في الزمان والمكان على سبيل المثال القراءات والتراتيل والطلبات… وحتى ريازة( هندسة) الكنائس تغيَّرت، فلا نجد اليوم كنائس كبيرة جديدة تبنى على طراز كاتدرائيات مار بطرس بروما، ونوتردام في باريس وكنيسة كولونيا في المانيأ والقديس اسطيفانوس في فيينا. كنائس اليوم أبسط وأصغر لتسهيل مشاركة المؤمنين في الاحتفال…
هذا المقال قد نُشر على موقع البطريركيّة الكلدانيّة، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.