قداسة البابا لاوُن الرابع عشر يدعو المسيحيين في الجزائر إلى أن يكونوا كحبات البخور التي تنشر العطر
أبونا:
ترأس البابا لاون الرابع عشر القداس الإلهي في بازيليك القديس أغسطينس في عنّابة، حيث دعا المسيحيين في الجزائر إلى أن «يبقوا علامة متواضعة وأمينة لمحبة المسيح»، وأن «يشهدوا للإنجيل بأعمال بسيطة وعلاقات صادقة وحوار يُعاش يومًا بيوم: بهذه الطريقة تبثّون معنى ونورًا أينما تعيشون».
وقال: «حضوركم في البلاد يذكّر بالبخور: كل حبة متقدة تنشر عطرًا وتمجّد اللّه وتمنح الفرح والعزاء لإخوة وأخوات كثيرين. حبة البخور صغيرة لكنها ثمينة، ليست في مركز الانتباه، لكنها تدعو إلى أن نرفع قلوبنا إلى اللّه، مشجّعين بعضنا بعضًا لكي نثبت في صعاب الزمن الحاضر».
وأضاف: «من مبخرة قلوبنا يرتفع التسبيح والبركة والابتهال، فينشر عبير الرحمة والصدقة والمغفرة. وتاريخكم منسوج بالضيافة السخية والثبات في المحن: هنا صلّى الشهداء، وهنا أحبّ القديس أغسطينس رعيته، وبحث عن الحقيقة بشغف وخدم المسيح بإيمان متقد. فكونوا ورثة لهذا التقليد، واشهدوا بالمحبة الأخوية لحرية الذين يولدون من عَلُ، فهم رجاء خلاص من أجل العالم».
وفي ما يلي النص الكامل لعظة البابا:
أَيُّها الإخوَةُ والأَخَواتُ الأَعِزَّاء،
كَلِمَةُ اللّهِ تَجتازُ التَّارِيخَ وَتُجَدِّدُهُ بِصَوتٍ بَشَرِيّ هو صَوتُ المُخَلِّص. اليَومَ نُصغِي إلى الإنجِيل، البُشرَى السَّارَّةِ لِكلِّ الأَزمِنة، في بازِيلِيكا عنَّابَة هذِه، المُكَرَّسَةِ لِلقِدِّيسِ أَغُسطِينُس، أُسقِفِ هِيبُّونا القَدِّيمَة. عَلَى مَرِّ القُرُون، تَغَيَّرَتْ أَسماءُ الأَماكِنِ الَّتي تَستَقبِلُنا، لَكِنَّ القِدِّيسِينَ بَقُوا شُفَعاءَنا والشُّهُودَ الأُمَناءَ عَلَى عَلاقَةٍ مُستَمِرَّةٍ مَعَ الأَرض، مَصدَرُها السَّماء. هذِه هي بالتَّحدِيدِ الدِّينامِيَّةُ الَّتي يُنِيرُ بِها الرَّبُّ لَيلَةَ نِيقُودِيمُس المُظلِمَة: هذِه هي القُوَّةُ الَّتي يَسكُبُها المَسِيحُ في ضَعفِ إيمانِ ذاكَ الرَّجُل، المُصِرِّ عَلَى البَحث.
أَحسَنَ يَسُوعُ استِقبالَ نِيقُودِيمُس، بِفَضلِ رُوحِ اللّهِ الَّذي أَرسَلَهُ ”والَّذي لا ندْري مِن أَينَ يَأتِي وإِلى أَينَ يَذهَب“ (راجع يوحنَّا 3، 8). ها هو يَدعُوهُ إلى حَياةٍ جَدِيدَة، وَيُسَلِّمُهُ ويُسَلِّمُنا نَحنُ أَيضًا مُهِمَّةً مُدهِشَة: "يَجِبُ عَلَيكُم أَنْ تُولَدُوا مِن عَلُ" (الآية 7). إِنَّها دَعوَةٌ لِكُلِّ رَجُلٍ وامرأَةٍ يَبحَثانِ عَنِ الخَلاص! وَمِن دَعوَةِ يَسُوعَ نَشَأَتْ رِسالَةُ الكَنِيسَةِ كلِّها، وَمِن ثَمَّ رِسالَةُ الجَماعَةِ المَسِيحِيَّةِ في الجَزائِر: وهي الوِلادَةُ الجَدِيدَةُ مِن عَلُ، أَي مِنَ اللّه. مِن هذا المَنظُور، يَنتَصِرُ الإيمانُ عَلَى المَشَقَّاتِ الأَرضِيَّة، وَنِعمَةُ اللّهِ تَجعَلُ البَرِّيَّةَ مُزهِرَة. وَمَعَ ذَلِك، فإِنَّ جَمالَ هذِه الدَّعوَةِ يَحمِلُ في طَيَّاتِهِ مِحنَةً يَدعُونا الإِنجِيلُ إلى تَخَطِّيها معًا.
في الواقِع، تُشِيرُ كَلِماتُ المَسِيحِ إلى قُوَّةِ الواجِب: "يَجِبُ عَلَيكُم أَنْ تُولَدُوا مِن عَلُ". يَبدُو هذا الأَمرُ لآذانِنا كَأَنَّهُ أَمرٌ مُستَحِيل. لَكِنْ عِندَما نُصغِي بِانتِباهٍ إلى الَّذي يَأمُرُنا، نُدرِكُ أَنَّ الأَمرَ لَيسَ فَرضًا قاسِيًا، ولا إِكراهًا، ولا حُكمًا بِالفَشَل. بِالعَكس، إِنَّ الواجِبَ الَّذي عَبَّرَ عَنهُ يَسُوعُ يَمنَحُنا الحُرِّيَّة، لأَنَّهُ يَكشِفُ لَنا عَن فُرصَةٍ غَيرِ مُتَوَقَّعَة: بِإمكانِنا الوِلادَةُ مِن عَلُ، بِنِعمَةِ اللّه. يَجِبُ أَنْ نَعمَلَ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ المُحِبَّة، الَّتي تُريدُ أَنْ تُجَدِّدَ البَشَرِيَّةَ بِدَعوَتِها إلى وَحدَةِ وشَرِكَةِ حَياةٍ تَبدَأُ بِالإِيمان. بَينَما يَطلُبُ مِنَّا المَسِيحُ أَنْ نُجَدِّدَ كُلَّ حَياتِنا، يَمنَحُنا أَيضًا قُوَّةَ القِيامِ بِذَلِك. وَعَلَيهِ شَهِدَ القِدِّيسُ أَغُسطِينُس بِقَولِهِ في صَلاتِه: "أَعطِنا يا رَبُّ ما تَأْمُرُ بِهِ، وَمُرْنا بِما تَشاء" (الاعترافات، الجزء العاشر، 29، 40).
لِذا، عِندَما نَتَساءَلُ كَيفَ يُمكِنُ أَنْ يَكُونَ هُناكَ مُستَقبَلُ عَدلٍ وَسَلام، وَوِفاقٍ وَخَلاص، لِنَتَذَكَّرْ أَنَّنا نَطرَحُ عَلَى اللّهِ نَفسَ السُّؤالِ الَّذي طَرَحَهُ نِيقُودِيمُس: هَل يُمكِنُ حَقًّا أَنْ يَتَغَيَّرَ تارِيخُنا؟ نَحنُ مُثقَلُونَ بِالمَشاكِلِ والمَخاطِرِ والشَّدائِد! هَل يُمكِنُ حَقًّا أَنْ تَبدَأَ حَياتُنا مِن جَدِيد؟ نَعَم! إِنَّ تَأكِيدَ الرَّبِّ يَسُوع، المُفعَمَ بِالمَحَبَّة، يَملَأُ قُلُوبَنا رَجاءً. لا يَهِمُّ كَم يَعصِرُنا الأَلَمُ وَتُثقِلُ كاهِلَنا الخَطِيئَة: فَيَسُوعُ المُصلُوبُ يَحمِلُ كُلَّ هذِه الأَثقالَ مَعَنا وَمِن أَجلِنا. مِن غَيرِ المُهِمِّ كَثرَةُ إِحباطاتِنا بِسَبَبِ ضَعفِنا: فَفِي تِلكَ اللحَظاتِ بِالذَّاتِ تَتَجَلَّى قُوَّةُ اللّهِ الَّذي أَقامَ المَسِيحَ مِن بَينِ الأَمواتِ لِيَهَبَ الحَياةَ لِلعالَم. كُلُّ واحِدٍ مِنَّا يَستَطِيعُ أَنْ يَختَبِرَ حُرِّيَّةَ الحَياةِ الجَدِيدَةِ الَّتي تَنبُعُ مِنَ الإِيمانِ بِيَسُوعَ المُخَلِّص. وَمَرَّةً أُخرَى، يُقَدِّمُ لَنا القِدِّيسُ أَغُسطِينُس المِثالَ والقُدوَة. فقَبلَ أَنْ نَنظُرَ إِلَيهِ لِحِكمَتِه، لِنَقِفْ مُتَأَمِّلِينَ في تَوبَتِه. في وِلادَتِهِ الجَدِيدَة، الَّتي رافَقَتها بِعِنايَةٍ إِلَهِيَّةٍ دُمُوعُ أُمِّه، القِدِّيسَةِ مُونِيكا، استَعادَ ذاتَهُ فَصاح: "ما كُنتُ لِأَكُون، يا إِلَهِيّ، ما كُنتُ لِأَكُونَ أَبَدًا، لَو لَمْ تَكُنْ فِيَّ. بَل بِالأَحرَى، ما كُنتُ لِأَكُون، لَو لَمْ أَكُنْ فِيكَ" (الاعترافات، الجزء الأوَّل، 2).
نَعَم، إذًا: المَسِيحِيُّونَ يُولَدُونَ مِن عَلُ، وَيُجَدِّدُهُم اللّهُ وَيَجعَلُهُم إِخوَةً وأَخَواتٍ لِيَسُوع، والكَنِيسَةُ الَّتي تُغَذِّيهِم بِالأَسرارِ المُقَدَّسَةِ هي الحِضنُ الَّذي يُرَحِّبُ بِجَمِيعِ شُعوبِ الأَرض. إِنَّ سِفرَ أعَمالِ الرُّسُلِ الَّذي أَصغَينا إِلَيهِ قَبلَ قَلِيلٍ يَشهَدُ عَلَى ذَلِك، واصِفًا الأُسلُوبَ الَّذي يُمَيِّزُ الإِنسانِيَّةَ المُتَجَدِّدَةَ بِالرُّوحِ القُدُس (راجع أعمال الرُّسل 4، 32-37). اليَومَ أَيضًا مِنَ الضَّرُوريّ أَنْ نَقبَلَ هذا النَّمُوذَجَ الرَّسُولِيّ وَنُحَقِّقَهُ، وَأَنْ نَرَى فِيهِ مِعيارًا أَصِيلًا لِلإِصلاحِ الكَنَسِيّ: إِصلاحٌ يَبدَأُ مِنَ القَلبِ لِيَكُونَ حَقِيقِيًّا، وَيَشمَلُ الجَمِيع، لِيَكُونَ فَعَّالًا.
أَوَّلًا، وفِي الواقِع، "كانَ جَماعَةُ الَّذينَ آمَنُوا قَلبًا واحِدًا ونَفْسًا واحِدة" (الآية 32). هذِه الوَحدَةُ الرُّوحِيَّةُ هي وِفاق: كَلِمَةُ وِفاق (concordia) تُعَبِّرُ جَيِّدًا عَن وَحدَةِ وشَرِكَةِ قُلُوبٍ تَخفِقُ مَعًا لأَنَّها مُتَّحِدَةٌ بِقَلبِ المَسِيح. فالكَنِيسَةُ النَّاشِئَةُ لا تَقُومُ عَلَى عَقدٍ اجتِماعِيّ، بَل عَلَى انسِجامٍ في الإِيمان، والمَشاعِر، والأَفكار، وَخياراتِ الحَياة، الَّتي مِحوَرُها مَحَبَّةُ اللّه، المُتَأَنِّسِ لِخَلاصِ جَمِيعِ شُعُوبِ الأَرض…
هذه الكلمة قد نُشرت على موقع أبونا: إعلام من أجل الإنسان، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.