عظة غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في الأحد الثالث من زمن القيامة – ظهور الرب لتلميذَي عمّاوس
قرى الجنوب في قلب بكركي ولبنان اليوم وكل يوم
تجدون في التّالي عظة غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، في الأحد الثالث من زمن القيامة – ظهور الرب لتلميذَي عمّاوس، ويوم المحبّة والتضامن مع جنوب لبنان الّذي أقامته البطريركيّة المارونيّة، يوم الأحد 19 نيسان/ أبريل 2026، في الصرح البطرركي الماروني - بكركي، لبنان.
"أما كان قلبنا متّقدًا فينا حان كان يكلّمنا في الطريق ويشرح لنا الكتب؟"
(لو 24: 32)
1. إنجيل مسيرة الرب يسوع القائم من الموت مع التلميذين المصدومين من صلبه، والعائدين من أورشليم إلى قريتهما عمّاوس، على بعد أحد عشر كيلومتراً، ما هو إلا الاحتفال بالفداس الأول في أحد قيامته.
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعاً، وبخاصة بالوفود الآتية من بلدات الجنوب اللبناني، وعلى رأسها كهنة ورؤساء بلديات ومخاتير، إلى جانب مؤسسات اجتماعية من مثل رابطة كاريتاس لبنان، ومؤسسة L’Œuvre d’Orient، والرابطة المارونية، والمؤسسة المارونية للانتشار، والمؤسسة البطريركية للإنماء الشامل، والبعثة البابوية، وجمعية مار منصور دو بول، ومجلس الجنوب، وsolidarity، ومطبخ مريم، إلى جانب أشخاص داعمين مادياً. جميعهم مشكورون من كل القلب.
فأحيّي البلدات الثلاث والستين المتمثلة بيننا للصلاة من أجل راحة نفوس الضحايا، وشفاء الجرحى، وعزاء أهلهم. ونصلّي كي يحوّل اللّه هدنة وقف إطلاق النار من عشرة أيام إلى إيقاف الحرب وإلى إحلال سلام دائم وشامل وعادل، يتمّ بالحوار الجدّي المتجرّد، وبالمفاوضات الدبلوماسية، لخير لبنان واللبنانيين جميعاً، تحت لواء الدولة وحدها، وبحماية واستعادة سيادتها على كامل أراضيها، وبوحدة سلاحها.
3. إنجيل تلميذَي عمّاوس هو إنجيل الطريق، طريق الإنسان حين يظن أن كل شيء انتهى، فإذا باللّه يكشف له أن ما اعتبره نهاية، هو في الحقيقة بداية جديدة. كان التلميذان من بين الرسل الإثنين والسبعين، يسيران عائدين من أورشليم بعد موت يسوع، يحملان خيبة كبيرة، وكأن الرجاء قد انطفأ في قلبيهما مع الصليب. مسافة طويلة قطعاها على الأقدام، يتحادثان، ويتساءلان، ويتألمان، وكأنهما يعيدان قراءة ما حدث دون أن يفهما معناه.
في هذا الطريق بالذات، اقترب منهما يسوع وسار معهما، دون أن يعرفاه. هذا المشهد بحد ذاته يحمل رسالة عميقة: المسيح حاضر حتى عندما لا نراه، موجود حتى عندما لا ندركه، يرافق الإنسان في ضعفه، في حيرته، في انكساره. سألهما عمّا يتحادثان، فعبّرا له عن خيبتهما، عن الرجاء الذي خاب، وعن الحلم الذي ظنّاه قد انتهى.
4. هو الإنسان، وهي الجماعة، وهي الكنيسة، تحمل همها وتطلعاتها ومشاكلها. أمّا الرب يسوع فأسّس للإنسان وللكنيسة سر الإفخارستيا، ليكون معه ومعها "حتى نهاية العالم" (متى 28: 20)، بأقسام هذا السر الثلاثة: قسم الكلمة، وقسم الذبيحة والمناولة، وقسم الرسالة.
فقسم الكلمة في سر الإفخارستيا، أي القداس الإلهي أو الليتورجيا الإلهية، يحمل عبادة المؤمن والجماعة معبّراً عن همومه وآماله وإقراره بخطاياه وتوبته. هذا مضمون صلاة الحسّاية وما يسبقها وما يليها. في هذه الحالة نحن نؤمن أنّ اللّه حاضر معنا ويكلمنا ويسمعنا، مثلما فعل يسوع مع التلميذين.
في الطريق، اقترب منهما يسوع وسار معهما، لكن بعد أن استمع لهما، بدأ يشرح لهما الكتب، ويُريهما أن ما حدث لم يكن نهاية، بل تحقيق لما قاله الأنبياء: أن المسيح كان عليه أن يتألم ويموت ثم يقوم.
هذا يجري في قسم الكلمة عندما نسمع كلام الرب في الرسالة والإنجيل، وفي العظة التي توصل إلى قلب المؤمن والجماعة تفسير مضمون هذا الكلام الإلهي.
5. في قسم الذبيحة والمناولة، عندما جلس يسوع معهما إلى المائدة، قام بأربعة أفعال ما زال يردّدها اليوم كهنة العهد الجديد: "أخذ الخبز وبارك، وكسر، وأعطاهما". فانفتحت أعينهما وعرفاه. فغاب عنهما. هذا هو قلب القداس: الذبيحة والمناولة. هنا يتحوّل السماع إلى حضور، والكلمة إلى لقاء حي مع المسيح. عندما نتناول جسده، لا نأخذه مجرد رمز، بل نأخذ قوة حقيقية: قوة جسدية وقوة روحية، قوة تُسندنا في تعبنا، وترافقنا في قلقنا، وتثبتنا في الرجاء.
المسيح حاضر في هذا السر، حاضر عندما تضيق الطرق، حاضر في الحيرة والانتظار،
حاضر في كل قلب يبحث عنه. وكما عرفه التلميذان عند "كسر الخبز"، هكذا يُعطى لنا أن نعرفه في كل مناولة، في كل لقاء صادق معه…
هذه العظة قد نُشرت على صفحة البطريركيّة المارونيّة على موقع فيسبوك، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.