عظة غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في الأحد الرابع من زمن القيامة – ظهور الرب للرسل على البحيرة
تجدون في التّالي عظة غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، في الأحد الرابع من زمن القيامة – ظهور الرب للرسل على البحيرة، يوم الأحد 26 نيسان/ أبريل 2026، في الصرح البطرركي الماروني - بكركي، لبنان.
"ألقوا الشبكة عن يمين السفينة تجدوا"(يو 21: 6)
1. ربنا يسوع المسيح القائم من الموت لا يفارق الكنيسة، بل يرافقها، يكلّمها، يسهر عليها، يوجّهها، كما فعل مع التلاميذ، الكنيسة الناشئة، في إنجيل اليوم، إنجيل الصيد العجيب. فعند الصباح وقف على الشاطئ، والتلاميذ في طريق العودة، بعد ليلة من الصيد فاشلة، فناداهم وقال لهم: "ألقوا الشبكة عن يمين السفينة تجدوا" (يو 21: 6). ولما فعلوا أصابوا صيدًا عجيبًا: "مئة وثلاثًا وخمسين سمكة كبيرة، مع هذا الثقل لم تتمزق الشبكة" (يو 21: 11).
هو إنجيل الإنسان، الذي يعود إلى عاداته بعد الخيبة، فيكتشف أن الرب لم يتركه، بل ينتظره على شواطئ الحياة. وكذلك شأن الكنيسة المولودة من سرّ موته وقيامته، هو معها "طول الأيام حتى نهاية العالم" (متى 28: 20)، كما أكّد لها يوم إرسالها وقبيل صعوده إلى السماء.
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، للمشاركة في هذه الليتورجيا الإلهية. وأوجّه تحية خاصة لعائلة المرحوم طانيوس جريس شهوان، رئيس بلدية أدما الدفنة سابقًا، الذي ودّعناه منذ خمسة وعشرين يومًا مع زوجته السيدة مادلين مارون فرح، وابنه وشقيقيه وسائر أنسبائه وأبناء بلدته ومعارفه الكثر. لقد أسفنا جدًا على وفاته المبكرة وعلى عطاءاته الكثيرة في حقل الكنيسة والمجتمع، على مستوى الدراسات والإحصاءات الاجتماعية والعلمية. إننا نذكره في هذه الذبيحة الإلهية مصلّين لراحة نفسه وعزاء أسرته.
3. إن إنجيل اليوم يرمز إلى سرّ الكنيسة في عمقها الحقيقي: السفينة هي الكنيسة، البحر هو العالم، الشباك هي كلمة الإنجيل، والصيادون هم الرسل وكل من دُعي ليكون شاهدًا. في البداية، نختبر تعبًا بلا نتيجة، وكأن الجهد البشري، مهما كان كبيرًا، يبقى محدودًا عندما ينفصل عن حضور المسيح.
ولكن عندما يتدخل الرب ويوجّه، تتبدل الصورة بكليتها، فنفهم أن الكنيسة ليست بقوتها تعمل، بل بقوة يسوع المسيح، الذي يقودها، ويعطيها الثمر، وهو الذي يحفظها في وسط الأمواج والمصاعب المعاكسة.
وعندما تُذكر المئة والثلاث والخمسون سمكة كبيرة، فترمز إلى الشعوب المعروفة في زمن المسيح، أي أن الكنيسة مدعوة أن تكون جامعة، وأن تحمل الرسالة إلى الجميع، دونما استثناء.
لكنها في مسيرتها لا تسير في بحر هادئ، بل في عالم مضطرب، مليء بالتحديات، وهنا يتجلّى معنى قول الرب: "سيكون لكم في العالم ضيق، لكن ثقوا، أنا غلبت العالم". ويتردد في هذا السياق قول القديس أغسطينوس: "الكنيسة تسير بين اضطهادات العالم وتعزيات اللّه"، فهي تتحمّل الألم لكنها لا تفقد الرجاء، لأنها لا تعتمد على ذاتها، بل على من أرسلها.
4. في هذا المشهد، يظهر البعد الليتورجي بوضوح، إذ يجمع المسيح التلاميذ حول الكلمة أولاً، ثم يقودهم إلى المشاركة في الطعام الذي أعدّه لهم. وهذا يعكس جوهر القداس الإلهي: الكلمة التي تنير، والذبيحة التي تعزّي، والمناولة التي تقوّي.
فالليتورجيا ليست مجرد طقس، بل هي لقاء حيّ، يتجدد فيه الإنسان من الداخل، ويستمد منه قوة ليكمّل مسيرته. إنها لحظة يتحوّل فيها التعب إلى معنى، والخوف إلى ثقة، والضياع إلى طريق واضح، لأن المسيح فيها حاضر، يقودها، ويغذّيها، ويرسلها.
5. "ألقوا الشبكة عن يمين السفينة تجدوا". بهذه الكلمة ننظر إلى واقعنا الوطني. كما أن الكنيسة تسير في بحر مليء بالتحديات، كذلك الأوطان تسير في بحر متقلب، أمواجه لا تهدأ، ظروفه لا تستقر…
هذه العظة قد نُشرت على صفحة البطريركيّة المارونيّة على موقع فيسبوك، لقراءة النصّ كاملًاإضغط هنا.