الرسالة العامة الأولى لقداسة البابا لاوُن الرابع عشر: لِيخدم الذكاء الاصطناعي البشرية لا نفوذ القلة
في الذكرى الخامسة والثلاثين بعد المائة للرسالة العامة "الشؤون الحديثة"، "Rerum novarum"، يتأمل الحبر الأعظم في رسالته العامة الأولى " Magnifica humanitas"، حول العقيدة الاجتماعية للكنيسة في عصر الذكاء الاصطناعي. نداءٌ لصون "إنسانية رائعة يسكنها اللّه"، عبر تعزيز الحقيقة، وكرامة العمل، والعدالة الاجتماعية، والسلام. وفي العصر الرقمي، تبرز الحاجة إلى تجريد الذكاء الاصطناعي من السلاح وتجاوز نظرية "الحرب العادلة"، مع إعادة تفعيل الحوار والتعددية.
(@Vatican Media)
"إن الإنسانية الرائعة التي خلقها اللّه تجد نفسها اليوم أمام خيار حاسم: إما أن تشيد برج بابل جديد، أو أن تبني المدينة التي يسكن فيها اللّه والإنسانية معًا". إن الاستهلال الذي تبدأ به الرسالة العامة الأولى للحبر الأعظم لاوُن الرابع عشر — "إنسانية رائعة"، (Magnifica humanitas) حول حماية الشخص البشري في زمن الذكاء الاصطناعي، يلخص أسبابها الجوهرية والغاية منها. فالرسالة التي نُشرت اليوم، الإثنين ٢٥ أيار مايو، كان قد وقعها الحبر الأعظم في الخامس عشر من الشهر الجاري، تزامنًا مع الذكرى الخامسة والثلاثين بعد المائة لصدور الرسالة العامة "الشؤون الحديثة" للبابا لاوُن الثالث عشر. وقد أراد البابا الحالي أن يحمل إرث سلفه، من خلال كتابة رسالة عامة اجتماعية تواجه أحد أبرز تحديات العصر الراهن: الذكاء الاصطناعي.
تتألف الرسالة العامة من خمسة فصول، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة، وتنطلق "إنسانية رائعة" من فرضية أساسية: وهي أن التكنولوجيا ليست "قوة مناهضة للشخص البشري" (٤)، ولا هي "شرّ في حد ذاتها" (٩). ومع ذلك، فإنها "ليست حيادية، لأنها تكتسي بملامح مَن يفكر فيها، ومَن يمولها، ومَن ينظمها، ومَن يستخدمها". ومن هذا المنطلق، يأتي نداء الأب الأقدس لـ "البناء في الخير" ولـ "الحفاظ على إنسانيتنا"، باتباع منطق المسؤولية المشتركة الشجاعة، ومبدأ التعاضد، والشركة، لكي "يتمكن العالم من أن يرى... في قلب الكائن البشري المكان الذي يرغب اللّه في أن يسكنه" (١٦).
يستعرض الفصل الأول — والذي يحمل عنوان "فكر ديناميكي أمين للإنجيل" — العقيدة الاجتماعية للكنيسة في التعليم البابوي الحديث وفي المجمع الفاتيكاني الثاني، مسلطًا الضوء على "طابعها الديناميكي المتجدد" (١٧). فالعقيدة الاجتماعية للكنيسة، أبعد ما تكون عن كونها "كتيبًا يضم مبادئ وقواعد تُطبَّق تلقائيًا"، هي بالأحرى "مسيرة تمييز جماعي"، و"لاهوت شركة في التاريخ" (٢٧) يوجّه قراءة الأحداث على ضوء الإنجيل. وفي هذا السياق، يتذكر البابا لاوُن الرابع عشر فكر أسلافه: بدءًا من البابا بيوس الثاني عشر — وهو أول من استخدم مصطلح "العقيدة الاجتماعية للكنيسة" في الإرشاد الرسولي "عقولنا"، " Mentinostrae " عام ١٩٥٠ — وصولًا إلى البابا فرنسيس، مرورًا بالطبع بالرسالة العامة "الشؤون الحديثة"، "Rerum novarum" الصادرة عام ١٨٩١، والتي وُصفت بأنها "حجر زاوية في تطور التعليم الاجتماعي للكنيسة" (٣٠). ففي كل عصر من العصور، عمل كل خليفة للقديس بطرس على "إبراز جوانب مختلفة من تراث واحد فريد: كرامة الشخص البشري، وقيمة العمل، والوجهة العالمية للخيور، والتضامن، ومبدأ التعاضد، والعناية بالخليقة، ومركزية السلام والأخوّة" (٤٥).
في الفصل الثاني، يعدد البابا لاوُن الرابع عشر "أسس ومبادئ العقيدة الاجتماعية للكنيسة": ويأتي في مقدمة هذه الأسس كرامة الشخص البشري، المخلوق على صورة اللّه ومثاله. وثمة حاجة ملحة للتذكير بذلك لأن "ضغط الأيديولوجيات الجديدة وبعض المصالح النافذة" قد يختزل الشخص البشري ليصبح مجرد "موردٍ يُستخدم ويُستغل"، أو يُقاس بحسب "ما ينجزه أو ينتجه" (٥١). وعلى العكس من ذلك، فإن "الكرامة الجوهرية لكل شخص لا تُكتسب ولا تُستحق، ولا تحتاج إلى إثبات" (٥٣). أما الأساس الثاني للعقيدة الاجتماعية للكنيسة فهو حرمة حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة "منذ الحبل بها وحتى موتها الطبيعي"؛ وفي هذا الصدد، يصف البابا لاوُن الرابع عشر الإجهاض المتعمد، وقتل الأبرياء، والموت الرحيم بأنها "خيارات غير مشروعة خطيرة" (٥٥). ويتمثل الأساس الثالث في الاعتراف بحقوق الأقليات، مع إيلاء اهتمام خاص للمرأة؛ حيث يطالب الحبر الأعظم لصالحها بـ "خيارات ملموسة" في القوانين، والعمل، والتعليم، والمسؤوليات الاجتماعية والسياسية، لكي يحظى دورها بالإصغاء والتقدير الفعليين (٥٧).
أما فيما يتعلق بمبادئ العقيدة الاجتماعية للكنيسة، فيشير البابا لاوُن الرابع عشر إلى خمسة مبادئ: أولها الخير العام، بوصفه "الشكل الاجتماعي للكرامة المعترف بها لكل فرد" (٥٩). وهنا يقف الحبر الأعظم بحزمٍ شديد عند نقطة أساسية قائلاً: "إن تعزيز الخير العام لا يمكن أبداً فصله عن احترام حق الشعوب في الوجود، وصون هويتها، والمساهمة بأصالتها الخاصة في عائلة الأمم". وبناءً على ذلك، فإن "أي محاولة أو مشروع لإبادة أمة أو إخضاعها هو أمر غير أخلاقي خطير، وبالتالي فهو غير مقبول مطلقاً" (٦٤).
يتعلق المبدأ الثاني بالوجهة العالمية للخيور: وهنا، وفي مواضع أخرى من الرسالة العامة، يشدد البابا لاوُن الرابع عشر على ضرورة ألا تتركز المعارف والتقنيات في أيدي قلة من الناس، مما يغذي الفجوة بين المشمولين بالثورة الرقمية والمستبعدين منها (٦٧). ويترتب على ذلك المبدآن الثالث والرابع، وهما مبدأ التعاضد (٦٨) — الذي يتطلب تخطّي النزعة الأبوية وسياسات الرعاية الاجتماعيّة لصالح المسؤولية المشتركة — ومبدأ التضامن (٧٣)، بوصفه "مبدأً وفضيلة" يناهض اللامبالاة ويأخذ في الحسبان الشعوب والأجيال القادمة.
أما المبدأ الخامس للعقيدة الاجتماعية للكنيسة الذي أشار إليه الحبر الأعظم فهو العدالة الاجتماعية: ففي العصر الرقمي، يتعين على هذه العدالة أن تضمن للجميع وصولاً عادلاً إلى الفرص، وحماية للفئات الأكثر هشاشة، ومكافحة خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي، وإخضاع استخدام البيانات والتقنيات للرقابة العامة، "لكي لا يكون الربح وحده هو المعيار، بل كرامة كل شخص وخير الشعوب" (٨٠). ويشير البابا لاوُن الرابع عشر إلى أن "المحك الحاسم" في هذا المجال يكمن في المهاجرين، واللاجئين، والنازحين؛ فالطريقة التي يعاملهم بها المجتمع تظهر "ما إذا كانت فكرة العدالة موجهة بالخوف أم بالأخوّة". ومن هنا، يأتي النداء المزدوج: أولاً، لصون "الحق في الرجاء" للذين أُجبروا على الرحيل، عبر ضمان مسارات آمنة وقانونية لهم، واستقبال كريم وإدماج؛ وثانياً، لتعزيز "الحق في البقاء" لكل فرد في أرضه بأمن وسلام، من خلال معالجة "الأسباب الجوهرية العميقة" للهجرة (٨١).
ويرى الحبر الأعظم أن المبادئ الخمسة هذه ليست موجهة للمجتمع فحسب، بل للكنيسة أيضاً، المدعوة إلى "فحص ضمير"؛ إذ يحث البابا على "تطهير العلاقات والبنى الكنسية من تلك الانحرافات التي تولد عدم المساواة، والغموض، والاستقواء". وتأتي هذه الدعوة للإصغاء إلى "ضحايا الانتهاكات الروحية، والاقتصادية، والمؤسساتية، والجنسية، وانتهاكات السلطة والضمير"، بما أن هذا الإصغاء "يشكل جزءاً لا يتجزأ من مسيرة عدالة، تتضمن الاعتراف بالضرر، والتعويض العادل، والوقاية" (٨٩).
يلج الفصل الثالث — والذي يحمل عنوان "التقنية والسيادة. عظمة الشخص البشري أمام وعود الذكاء الاصطناعي" — في عمق موضوع الذكاء الاصطناعي. وهنا يحذر البابا لاوُن الرابع عشر من "النموذج التكنوقراطي" الذي سبق وأن ندد به البابا فرنسيس، والذي بموجبه تملي معايير الكفاءة والربح وحدهما كل خيار من الخيارات (٩٢). وعلى العكس من ذلك، فإن التكنولوجيا الأكثر قوة ليست بالضرورة هي الأفضل؛ فالذكاء الاصطناعي يمكنه محاكاة الإنسان ومجاراته، لكنه لا يملك ضميرًا أخلاقيًا، ولا تعاطفًا، ولا قدرة عاطفية، أو علائقية، أو روحية. بناءً على ذلك، يتعين التعامل مع الذكاء الاصطناعي برصانة وبصيرة، مع الحفاظ على وضوح المسؤوليات في جميع مراحل عمله (المساءلة)، والتركيز على سياسات وأطر قانونية ملائمة، ورقابة مستقلة، وتثقيف المستخدمين. وثمة حاجة ماسة، بشكل خاص، إلى مدونة أخلاقية تخضع لمعايير العدالة الاجتماعية المشتركة، لأنه "لا نفع من ذكاء اصطناعي أكثر أخلاقية إذا كانت هذه الأخلاق تحددها قلة من الناس" (١٠٧). كل هذا بدون الإغفال عن الأثر البيئي للتقنيات الجديدة، التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة والمياه، مما يؤثر على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ويلحق الضرر بالخليقة (١٠١).
ويشدد البابا لاوُن الرابع عشر على ضرورة "تجريد الذكاء الاصطناعي من السلاح"، وذلك لانتشاله من منطق التنافس العسكري والاقتصادي والمعرفي؛ وكسر المعادلة التي تربط بين القوة التقنية والحق في الحكم؛ ومنعه من الخضوع للاحتكارات وهيمنته على الكائن البشري. إن هذه المهمة هي مهمة أخلاقية، وتقنية، وإيكولوجية، لأن الذكاء الاصطناعي "بات بالفعل بيئة نعيش في غمارها، وقوة يتعين علينا التعامل معها" (١١٠).
وقد أفرد الحبر الأعظم مساحة واسعة لنقد نظريات "ما بعد الإنسانية" و"التحول الإنساني"، التي تفسر التقدم على أنه تخطٍّ لحدود البشري. غير أن الحدّ البشري ليس عيبًا يجب إزالته، بل هو بُعد تكويني للشخص، لأن "الكائن البشري لا يزدهر على الرغم من حدوده، بل غالباً من خلال هذه الحدود بالذات" (١١٨)، واجدًا في الهشاشة والمحدودية مساحات تنضج فيها العلاقات، والعناية، والانفتاح على اللّه وعلى الآخر. إن الرهان اليوم كبير: فنمو التقنية عبر إلغاء الحدود البشرية يعني، في واقع الأمر، تراجع القلب. فالإنسانية، بروعتها وجراحها معًا، "لا يجوز استبدالها ولا تجاوزها". يمكن للتكنولوجيا أن تخفف من آلامها وأن تفتح أمامها آفاقًا جديدة، لكن لا ينبغي لها أن تنكر عليها ما يخص جوهرها: أي "القدرة على إقامة العلاقات وعلى الحب" (١٢٦). وأمام الذكاء الاصطناعي، لا يكمن البديل الحقيقي بين الحماس والخوف، بل بين أسلوبين في بناء التقدم: إما في خدمة الشخص البشري والشعوب، أو في خدمة منطق القوة (١٢٩). وهو خيار يستدعي مسؤولية الجميع: إن "بناء بابل أو بناء أورشليم" — وهما "مدينتا"، الإنسان واللّه اللتان أشار إليهما القديس أوغسطينوس أيضًا (١٣٠) — يبدأ من كل فرد منا.
يتناول الفصل الرابع — والذي يحمل عنوان "صون البشري في خضم التحول. الحقيقة، العمل، الحرية" — الحقيقة بوصفها خيراً عاماً وعنصراً أساسياً للديمقراطية. ففي البيئة الرقمية، ينبغي صياغة الحقيقة في إطار "إيكولوجية التواصل"، لكي لا تتحول الثقافة التي تولدها الشبكة العنكبوتية إلى أداة لـ "التنميط والهيمنة"، بل لتغدو مساحة لنضوج "الحرية الداخلية والفكر النقدي" (١٣٦-١٣٧). وفي هذا الصدد، يشير الحبر الأعظم إلى بعض الأدوات: الشفافية في آليات اختيار المحتوى، حماية البيانات الشخصية، وتقديم صحافة رصينة تقوم على المحاججة والتحقق، مع تنمية وعي جديد بـ "الاستخدام الصحيح والنقدي" للذكاء الاصطناعي، وتكامل المعارف. كما يطالب الكنيسةَ أيضاً بتواصلٍ شفاف وأمين، لا سيما في حالات الظلم والانتهاكات.
وتحتل الدعوة إلى تجديد "التحالف التربوي" مكانة محورية في هذه الرسالة العامة، لكي لا ينطفئ لدى الشباب "شغف طرح الأسئلة" أمام آلاتٍ متكاملة تجعل الفكر البشري يبدو عديم الفائدة (١٤٠). ويؤكد البابا لاوُن الرابع عشر قائلاً: "علينا أن نربي أنفسنا على الصوم عن الذكاء الاصطناعي"، من خلال القضاء على الفوارق في فرص الحصول على التعليم، والتركيز على المدرسة بوصفها المكان الذي يتعلم فيه المرء "البحث عن الحقيقة ومحبتها"، وحيث يُلقَّن ما لا يمكن للعالم الرقمي أن يمنحه: أي "الوقت المشترك للتعلم، والعلاقات الموثوقة" (١٤٧).
وفي خضم "الثورة الصناعية الرابعة" التي يمثلها التحول الرقمي، يشدد الحبر الأعظم على أهمية حماية كرامة العمل وقيمته؛ إذ يوضح أن "الأساليب الجديدة في العمل ليست بالضرورة هي الأفضل"، لأن التكنولوجيا قد تؤدي إلى تهميش كفاءات العمال، واختزال أدوارهم في وظائف هامشية، وإخضاعهم للرقابة المؤتمتة (١٥٠). وعلى العكس من ذلك، تبرز الحاجة إلى تصميم أنظمة تتمحور حول الشخص البشري وليس حول الأداء الفني وحده؛ لأنّ التقنية يمكنها بالتأكيد أن تخفف عن الإنسان المهام الشاقة أو التكرارية، ولكن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تؤدي إلى البطالة بذريعة خفض التكاليف وزيادة الأرباح. وفي ظل سيناريو يتسم بتفاقم الفقر والتفاوتات، جراء إحلال الأنظمة المؤتمتة محل الإنسان، يعرب الحبر الأعظم كذلك عن أمله في تجديد النقابات العمالية (١٥٥).
إن التحول الرقمي يقتضي حوكمة استباقية مبكرة من خلال معايير اجتماعية مستقرة، وتوفير تنشئة مستمرة ومتاحة للعمال، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية للشركات. وكذلك، يشير الحبر الأعظم إلى ضرورة تخطي "الناتج المحلي الإجمالي" كمعيار وحيد لقياس مستوى تطور الدول، والتركيز بدلاً من ذلك على كرامة العمل، والازدهار المشترك، والحد من التفاوت الاجتماعي، وحماية البيئة. فالاستثمار المالي لأجل المال يختلف تماماً عن الاستثمار المالي لأجل التنمية (١٥٩-١٦٠). وسيراً على خطى القديس بولس السادس، يتم التأكيد على الترابط الوثيق بين السلام والتنمية، مع التطلع إلى تعاون دولي قادر على رسم استراتيجيات مشتركة "لا سيما لصالح الدول والفئات الأكثر هشاشة"؛ لأن الازدهار لا يسهم في إرساء السلام "إلا إذا كان واسع النطاق، وشاملاً، ومستداماً" (١٦٣).
كذلك تتضمن الرسالة العامة نداءً قوياً لدعم العائلة، القائمة على الاتحاد المستقر بين رجل وامرأة؛ فهي "خير اجتماعي أساسي"، و"الخلية الجوهرية والبديلة لكل تنظيم جماعي" (١٦٥)، والتي ينبغي دعمها أيضاً من خلال سياسات عمل تعزز الاستقرار والوتيرة الإنسانية، بما يضمن التوازن السليم في الحياة، ويصون تلك "القدرة على بناء المستقبل" التي تجعل المجتمع ولوداً ومعطاءً. وأخيراً، يتناول النص مسألة الحرية الإنسانية، التي يجب حمايتها من التبعية والتسليع؛ ففي عصرٍ صُممت فيه المنصات الرقمية لاستقطاب وقت المستخدمين واستغلال نقاط ضعفهم، تبرز حاجة ملحة لتعزيز الحرية الداخلية لكل فرد، ومواجهة مخاطر الرقابة الاجتماعية الناتجة عن الجمع المكثف للبيانات واستخدام الأنظمة الخوارزمية. إن تصنيف السلوكيات، والتنبؤ بها، وتوجيهها، يمثل في واقع الأمر "قوة جديدة" (١٧١) تهدد بتمييز سلعي وإقصاء الفئات الأكثر ضعفاً. وفي هذا السياق، يستنكر البابا، بشكل خاص، "هندسة الظهور العلني" التي تكافئ وتضخم فقط ما هو مرئي، ويصيغ الآراء ويولِّد نمطاً من الامتثالية والتنميط الفكري.
إن الذكاء الاصطناعي يولّد أشكالاً جديدة من العبودية، مثل تلك التي تتعرّض لها "الأجساد الموصومة، والمشوهة، والمُنهكة" (١٧٣) للذين يعملون في استخراج "العناصر الأرضية النادرة" اللازمة للتكنولوجيا. ولهذا السبب، فإن مكافحة أشكال العبودية الجديدة تشكل "محكاً حاسماً آخر للتمييز الأخلاقي" في مسيرة التحول الرقمي. وفي هذا الصدد، يؤكد البابا لاوُن الرابع عشر أن "الكنيسة تجدد إدانتها الحازمة لكل شكل من أشكال العبودية، والاتجار بالبشر، وتسليعهم"، ويعيد التأكيد على أن عدم الردّ على هذه "الانتهاكات الجسيمة للكرامة الإنسانية" أو التسامح معها يعني، في واقع الأمر، "التواطؤ فيها" (١٧٤). وفي الوقت عينه، يطلب الأب الأقدس "بصدقٍ المغفرة" عن التأخير الذي أبدته الكنيسة في الماضي في إدانة "آفة العبودية". وتتطرق الرسالة العامة أيضاً إلى ما يمكن تسميته بـ "العناصر الأرضية النادرة الجديدة للقوة"، ونعني بها المعلومات الحيوية — كالمعطيات المتعلقة بالصحة والديموغرافيا على سبيل المثال — التي تُستغل لتوجيه الاستراتيجيات الاقتصادية. ويوضح الحبر الأعظم أن هذا يمثل وجهاً غير مسبوق للاستعمار، يقوم على الاستحواذ على البيانات وتحويل حياة الأشخاص الشخصية إلى معلومات قابلة للاستغلال، مما يجعل البيئة الرقمية "فسحة للافتراس والقرصنة" (١٧٨-١٧٩).
في الفصل الخامس والأخير — والذي يحمل عنوان "ثقافة القوة وحضارة المحبة" — يوجه البابا لاوُن الرابع عشر نظره نحو مسألة الحرب، مؤكداً أن "الثورة الرقمية باتت تغير قواعد الصراعات"؛ ومن دون مقاربة أخلاقية، ستصبح القرارات المتعلقة بحياة الأشخاص وموتهم مجردة من الإنسانية، مع اعتبار اللجوء إلى القوة "خيارًا فوريًا وقابلًا للتطبيق" (١٨٢- ١٨٣). وتكمن في أساس هذا كله "ثقافة القوة" التي تجعل الحرب أمراً عادياً وتعيد تبريرها باعتبارها "أداة للسياسة الدولية"، مما يشجع على إعادة التسلح. وفي حين كان الرأي العام في الماضي ينظر إلى العمليات الحربية كملجأ أخير وحيد، فإنه يرزح اليوم تحت وطأة السرديات الإعلامية المستقطِبة، فضلاً عن "فقدانٍ مقلق للذاكرة التاريخية" يجعله يفتقر إلى رؤية بعيدة الأمد (١٩١). ونتيجة لذلك، لم يعد السلام يُفهم اليوم كواجب ينبغي الاضطلاع به، بل كمجرد هدنة عابرة وهشة بين الصراعات. ولهذا السبب، يعيد البابا لاوُن الرابع عشر التأكيد – مع الاحتفاظ بالحق في الدفاع عن النفس بالمعنى الضيق – على ضرورة تجاوز نظرية "الحرب العادلة"، والعمل بدلاً من ذلك على تعزيز الحوار، والدبلوماسية، والمغفرة (١٩٢).
ولا يفوت البابا بريفوست أن يستنكر نمو الصناعات العسكرية، وسباق التسلح النووي، وظهور أطراف مسلحة جديدة — من بينها الجماعات الجهادية — التي تسعى إلى إدامة الصراعات كمصدر للقوة والربح. وتأتي بعد ذلك تحذيراته حازمة وضمن سياقٍ قاطع ضد استخدام الأسلحة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إذ "لا توجد خوارزمية يمكنها أن تجعل الحرب مقبولة أخلاقياً". بل على العكس تماماً: إن التكنولوجيا "لا تنزع عن الصراع لاإنسانيته المتأصلة فيه، وإنما تكتفي بجعله أسرع وأكثر تجريداً من العاطفة، مما يخفض عتبة اللجوء إلى العنف ويحول الدفاع إلى مجرد استباق عملياتي، تُختزل فيه الضحايا إلى بيانات إحصائية. وبذلك، فإنها تعودنا على فكرة أن العنف هو أمر حتمي وما علينا سوى تحسين أدائه" (١٩٨). ومن ثمّ، تبرز الحاجة الملحة إلى قيود أخلاقية صارمة، تحظى بإجماع دولي، وتقوم على المسؤولية الشخصية وحماية المدنيين؛ لأن "كل تقنية تسهّل الضرب من دون رؤية وجه الآخر، إنما تخفض العتبة الأخلاقية للصراع" (١٩٩).
إن ثقافة القوة تنبع أيضاً من أزمة التعددية، ومن بروز "تعددية قطبية فوضوية وصراعية" تسود فيها الريبة تجاه الآخر (٢٠١). وبذلك، حلّ قانون الأقوى محل قوة القانون؛ وطغت منطقيّات الهيمنة على بناء السلام، الذي أُقصي إلى المرتبة الثانية، كما ضعفت المؤسسات التي أُنشئت لصون المصير المشترك للشعوب، ولم يعد هناك اعتراف بسلطتها الأخلاقية. وفي هذا الصدد، يرجو الحبر الأعظم لمنظمة الأمم المتحدة وللنظام السياسي الدولي تحقيق "إصلاحات عميقة" تتغلب على أزمة القيم الراهنة لصالح الخير العام الحقيقي (٢٢٦).
ويتابع النص موضحاً أن العالم اليوم يشهد حروباً "هجينة" تشمل الميادين الاقتصادية والمالية والمعلوماتية، وتستغل التضليل الإعلامي والخوف لتوجيه الرأي العام، وتصوير زيادة النفقات العسكرية كـ "رد وحيد" على مستقبل يكتنفه الغموض. غير أن هذا كله ليس سوى "واقعية زائفة"، وسياسة واقعية غير مسؤولة، تزرع في الضمائر والثقافات الاستسلام لفكرة حتمية الحرب، وتقدم السلام كيوتوبيا (٢٠٤-٢٠٥). هذا دون استبعاد أن النزاع المسلح قد يشكل بالنسبة للبعض أداة لـ "إدارة تهكمية وجافة" للمصاعب، ووسيلة لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية (٢٠٨).
وأمام ثقافة القوة هذه، يُدعى المسيحي للرد عبر بناء "حضارة المحبة"؛ فالنعمة الإلهية لا تلغي الصراع بلمسة سحرية، بل تولّد "مقاومة فاعلة للشر وإبداعاً مدهشاً في صنع الخير" (٢١١). فكل فرد، في مجال عمله، مدعو للاختيار بين تغذية منطق القوة أو صون السلام، من خلال كبح جماح التجريد من الإنسانية بأفعال صغيرة تتسم بالأمانة والثبات. وفي هذا السياق، يشير البابا إلى خمسة "مسارات للمسؤولية": تجريد الكلمات من السلاح عبر قول الحقيقة؛ بناء السلام على ركائز العدالة؛ تبني نظرة الضحايا واتخاذ موقف حاسم، إذ ثمة صراعات "لا يصح فيها البقاء على الحياد". فالاعتداءات التي تطال المدنيين والمستشفيات والبنى التحتية تدمي الإنسانية ذاتها، ولا يمكن إدراجها في خانة التحليلات النظرية المجردة. بل على العكس، ينبغي إعطاء صوت للضحايا من أجل "إدراك هوة الشر الكامنة" في الحرب وفي كل شكل من أشكال العنف (٢١٧). وفوق ذلك، يحث البابا على تعزيز "واقعية سليمة" تتلمس سبل سلام قابلة للتطبيق بالأفعال لا بالأقوال الفضفاضة فحسب.
وفي الختام، يدعو الحبر الأعظم إلى إعادة تفعيل الحوار والانتقال من ثقافة القوة إلى ثقافة التفاوض. كما يكتسب "الحوار بين الأديان" أهمية حاسمة بوصفه حاملاً لرسالة سلام. ويأتي تحذير البابا لاوُن الرابع عشر حازماً إذ يقول: "إن كل من يستخدم اسم اللّه لتبرير الإرهاب أو العنف أو الحرب إنما يشوه وجهه القدوس؛ فالقتال باسم الدين يعني، في واقع الأمر، ضرب الدين نفسه" (٢٢٣). ومن جانبها، تتخذ دبلوماسية الكرسي الرسولي من "المبدأ الإنجيلي للرحمة" معياراً ملموساً للعمل السياسي. ومن هنا تبرز الدعوة إلى الصلاة، لأن السلام هو قبل كل شيء عطية من اللّه (٢٢٧-٢٢٨).
وفي ختام هذه الرسالة العامة، يدعو الحبر الأعظم المؤمنين إلى التواجد في عالم التقنيات الجديدة على ضوء الإنجيل، باتباع "مسيرة حياة مسيحية رصينة ومتطلبة"، لكي يتمكن الجميع، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي، من الشهادة لـ "جمال إنسانية رائعة يسكنها اللّه".
هذا النصّ قد نُشر على موقع فاتيكان نيوز.