عظة غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا في عيد التطويبات
تجدون في التّالي عظة غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للّاتين، لمناسبة عيد التطويبات، الاحتفال بعظة الجبل، الأحد الرابع من الزمن العادي.
صفنيا 2: 3؛ 3: 12–13؛ 1 كورنثوس 1: 26–31؛ متى 5: 1–12
أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء،
نحن اليوم على جبل التطويبات، حيث ألقى يسوع ما يُعرف بـ«عظة الجبل»، التي تُفتَتَح بهذه التطويبات التي سمعناها تَوًّا.
وهذا الجبل في الحقيقة ليس سوى تَلّة وديعة، غير شاهقة، لا تطغي على ما حولها، بل تفسح المجال لرؤية الحياة كما هي. وهنا بالذات يبدأ يسوع خدمته، في المكان الذي يعيش فيه الناس، على إحدى طرق التجارة التي كانت نابضة بالحياة في ذلك الزمان، فإن هذا الخطاب موجَّه إلى شعبٍ منغمس في الحياة اليومية، في واقعٍ هشّ وملموس. لا يختار يسوع موضعًا للسلطة أو مركزًا للقوّة، بل مكانًا تُرى منه الحياة. يصعد هذه التلّة، يجلس ويتكلّم: لا يدين، ولا يتّهم، ولا يطرح حلولًا سياسية، بل يتحدّث عن السعادة. وهنا تكمن المفارقة الأولى: لا يحدّد ما يجب فعله بقدر ما يكشف مَن هو الطوباوي؛ لا يقدّم استراتيجيات عمل، بل يشير إلى أسلوب حياة. يتكلّم عن الطوبى في أرضٍ كانت آنذاك موسومة بالتعب، والفقر، والتوتّر، والخوف، والظلم؛ أرضٍ عرفت جيّدًا العنف وصعوبة العيش المشترك.
في التطويبات، يصف يسوع الواقع كما يراه اللّه.
واليوم أيضًا، هنا، نجد أنفسنا في سياقٍ ليس بعيدًا كثيرًا عن ذلك: نعيش في أرضٍ جميلة وجريحة، محبوبة ومتنازَع عليها، مبارَكة ومتعبة. نحن جماعة مسيحية صغيرة وهشّة، اختارت البقاء والحراسة والخدمة، غالبًا من دون أن نرى ثمارًا فورية، لذا نعرف جيّدًا تجربة الإحباط، والانغلاق، والدفاع عن الذات. وهنا في هذا المكان المقدّس وفي هذا اللحظة من التاريخ، يَصدَح من جديد، ويُقال لنا نحن، كنيسة الأرض المقدّسة، إنجيل التطويبات، ككلمةٍ ضرورية تُخاطب واقعنا كما هو.
إنّ التطويبات هي وصف للحياة عندما يُؤخذ اللّه على محمل الجدّ؛ فهي تتجاوز كونها لائحة وصايا أخلاقية، أو تصنيف للفضائل، أو دليل لعيش البطولة، أو مثالًا يخص عدد قليل من الناس، ففي هذه الأرض الجريحة، حيث للألم وجوه كثيرة ولغات متعدّدة، الجميع يحمل جراحًا: من فقد شخصًا، أو الامان، أو الثقة، أو المستقبل. الخوف يهدد بأن يصبح معيارًا، والدفاع هوية. الإصغاء إلى التطويبات ليس أمرًا سهلًا: فقد تبدو كلمات ليست في محلها أو ساذجة، أو حتى جارحة. ومع ذلك، فإن يسوع يكلّمنا في إطار هذه الحقيقة.
إنها ليست مثالاً أعلى بعيد المنال ولا مكافأة للأفضل ولا عزاء للخاسرين؛ إنها طريقة جديدة للنظر إلى الحياة. إنها لا تنكر الشر ولا تفسره أو تبرره؛ إنها تمر به.
فلنَدَع بعض هذه التطويبات تضعنا موضع السؤال والتحدّي.
"طوبى لِفُقَراءِ ٱلرّوح"
هنا في الأرض المقدّسة، الفقر هو خبرة يومية لكثيرين: نقص في فرص العمل، وقيود على حرية الحركة، وغياب للاستقرار. هو تبعيّة لقرارات تُتَّخذ من قبل أشخاص في المناصب. ووفق تعليم يسوع، ففي مثل هذه الظروف بالذات يصبح انفتاح الإنسان على اللّه وتحقيق ملكوته أمرًا ممكنًا، شرط أن يبقى القلب مفتوحًا، وألّا يولّد الفقر مرارة، وألّا يتحوّل الحرمان إلى كراهية. بالنسبة إلينا، هذه التطويبة هي دعوة إلى ألّا نسمح للخوف بأن يتحكّم بنا، وألّا نختزل ذواتنا في جماعةٍ تسعى فقط إلى البقاء، بل إلى الشهادة. ليست تمجيدًا للبؤس، بل حرّية أولئك الذين لا يمتلكون أنفسهم، ولا ينغلقون على أنفسهم، ويعلمون أن الحياة عطيّة أُوكِلَت إليهم.
"طوبى لِلمَحزونين"
اليوم، الحزن حقيقة ملموسة نعيشها جميعًا: حزن الضحايا، وحزن الأطفال، وحزن العائلات الممزَّقة، وكذلك الحزن الصامت لمن أرهقهم الانتظار، وخابت آمالهم، وراودتهم تجربة الرحيل أو الانغلاق على ذواتهم. لا يقول يسوع إنّ هذا الحزن سيزول سريعًا، بل يؤكّد أنّه ليس بلا معنى ولا بلا رجاء. فاللّه لا يعتاد على الألم، حتى عندما نكاد نحن أن نعتاد عليه.
هذه التطويبة تمنعنا من تبرير المعاناة، أو قبولها كقدرٍ لا مفرّ منه، أو التعامل معها على أنّها مجرّد «جزء من الصراع». إنّ يسوع يستقبل البكاء ويحتضنه: لا يلغيه، ولا يفسّره، ولا يبرّره، لأنّ الدموع ليست مهدورة ولا منسيّة عند اللّه. وهذه التطويبة تحمينا من الاستسلام ومن القساوة الداخليّة؛ فالمؤمن لا ينكر الألم، لكنّه لا يتخلّى عن الرجاء، ويبقى في الحزن من دون أن يسمح له بأن يتحوّل إلى غضب
"طوبى لِلوُدَعاء"
في سياقٍ يتسم بالقوّة، والردّ المسلّح، ومنطق الانتقام، تبدو الوداعة مهينة، لكنها واحدة من أكثر التطويبات إلحاحًا اليوم. الوداعة هي رفض أن نُعرَّف بالكراهية، واختيار عدم نزع إنسانية الآخر، والأمانة لإنسانيتنا حين يدفع كلّ شيء إلى فقدانها. بالنسبة للمسيحيين في الأرض المقدّسة، الوداعة هي شكل رفيع من أشكال المقاومة الروحية: أن نبقى حاضرين بلا عدوانية، ونواصل الإيمان بأنّ لا يمكن اختزال الآخرين في الشر الذي يفعلونه أو يتعرّضون له. الوداعة هي قوّة مضبوطة، أي القدرة على عدم الردّ على الشرّ بالشرّ؛ وهي نقيض الضعف. في أرض يكتنفها الصراع، الوداعة هي خيار ثوري، يكاد يكون صادمًا: أن نخافظ على إنسانيتنا عندما يدفعنا كل شيء إلى تجريد الآخرين من إنسانيتهم، وأن نرى إنسانًا حيث يسهل أن نرى عدوًّا، ولعلها واحدة من أقوى الشهادات: حضور أمين، غير عدواني، غير أيديولوجي.
"طوبى لِلجِياعِ وَٱلعِطاشِ إِلى ٱلبِرّ"
في هذه الأرض، العدالة كلمة مشوهة، يُستشهد بها، ثم تُنكر وتُستغل. يعترف يسوع بهذا الجوع للعدالة كطوبى، ولا يطلب منا التخلّي عنه. الجوع إلى البرّ يعني رفض الاستسلام للظلم، مع تجنّب تأليه تصوّرنا الخاص للعدالة؛ ويعني السعي إلى عدالة لا تُدمّر الآخر، ولا تبني جدرانًا جديدة، ولا تُنتج ضحايا جدُدًا. إنّه دعوة إلى صون حيّز داخلي حرّ، يبقى فيه البرّ شوقًا عميقًا إلى الحقّ والخير، من دون أن يتجمّد في أيديولوجيا معينة، لا عدالة مجرّدة، بل ملموسة: في العلاقات، وفي الكلمات، وفي الخيارات اليومية. نعلم جيّدًا أنّ تحقيق العدالة ليس أمر سهل، وغالبًا ما تكون ناقصة، وأحيانًا تبدو مستحيلة. ومع ذلك، يقول يسوع إنّ هذا الجوع هو بحدّ ذاته تطويب: فمَن يطوق إلى البرّ يرفض التكيّف مع الظلم، أو تطبيعه، أو تبريره. نحن مدعوون إلى الحفاظ على هذا التوق، من دون تحويله إلى أيديولوجيا، ومن دون إخماده خوفًا.
"طوبى لِلسّاعينَ إِلى ٱلسَّلام"
هنا نفهم كم أنّ السلام هشّ: إنّه مسار لا حالة وجودية، ويتطلب جهد يومي لا مجرّد اتّفاقية. أن نكون صانعي سلام يعني غالبًا العمل بخطوات صغيرة، خلف الكواليس، دون نتائج مرئية؛ من خلال بناء العلاقات، وحماية كرامة الإنسان، وإبقاء مسارات الحوار مفتوحة خصوصاً حين يدفعنا كلّ شيء إلى إغلاقها.
يقول يسوع إنّ هؤلاء يُدعون أبناء اللّه، ليس لأنهم ينجحون، بل لأنهم يشبهون الآب الذي لا يتخلى أبدًا عن الإنسان. لا يقول: طوبى لمن يتكلّمون عن السلام، بل لصانعيه: فالسلام عمل شاقّ، بطيء، هشّ، يتطلّب المثابرة، والصبر، والاستعداد للتضحية بأمر ما. وغالبًا ما يمرّ عمل صانعي السلام دون تقدير، يغدو دون نتائج فورية، وأحيانًا يُنجز بصمت. ومع ذلك، يقول يسوع إنّ هؤلاء بالذات يُدعون أبناء اللّه، لأنّهم يشبهون الآب الذي كما قلت يواصل الإيمان بالإنسان حتى عندما يُخيّب ظنه ويخونه.
"طوبى لِلمُضطَهَدينَ"
يسوع لا يخدع تلاميذه: الإنجيل له ثمن، وهذا الثمن حقيقي اليوم – أن نكون أقلية، مُساء فهمنا، معرّضين للخطر. ومع ذلك، يقول يسوع إن الملكوت هو لهم الآن، لأن الملكوت يتماهى مع الأمانة؛ فهو لا ينتظر ضمانًا مستقبليًا…
هذه العظة قد نُشرت على موقع البطريركيّة اللّاتينيّة في القدس، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.