قداسة البابا لاوُن الرابع عشر من قلب الجزائر: صلاتكم ومحبتكم ووحدتكم هي وجه الكنيسة الوالدي

في إطار زيارته الرسولية التاريخية التي تشمل الجزائر والكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية، التقى قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، اليوم، بالجماعة المسيحية في بازيليك مريم العذراء سيدة أفريقيا بالعاصمة الجزائرية.

بدأ اللقاء بكلمة ترحيبية مؤثرة ألقاها الكاردينال جان بول فيسكو، رئيس أساقفة الجزائر، رحب فيها بالأب الأقدس في هذا الصرح الذي يعد مهد "الآباء البيض" و"الأخوات البيض". ووصف الكاردينال البازيليك بأنها "مساحة للقاء والأخوة"، مشيراً إلى أن أكثر من ٩٠٪ من زوارها هم من المسلمين، مما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من تراث الجزائر. كما قدم لقداسته "الحجارة الحية" للكنيسة، واصفاً إياها بـ "كنيسة فسيفساء" تضم عشرات الجنسيات وتعيش مسكونية ملموسة وأخوة حقيقية مع مختلف الطوائف والأديان. ولم ينسَ الكاردينال نقل صلوات المهاجرين والسجناء الذين تتابعهم الكنيسة، مؤكداً أنهم يضعون رجاءهم في صلاة قداسته.

قداسة البابا لاوُن الرابع عشر من قلب الجزائر: صلاتكم ومحبتكم ووحدتكم هي وجه الكنيسة الوالدي (ANSA)

وبعد الاستماع إلى شهادات حية من أبناء الجماعة (راكيل، وعلي، ومونيا، والراهبة برناديت)، توجه الأب الأقدس إلى المؤمنين بكلمة استهلها بالقول:

بِفَرَحٍ كَبِيرٍ ومَحَبَّةٍ أَبَوِيَّةٍ أَلتَقِي بِكُم اليَوم، أَنتُم الَّذِين تُكَوِّنُونَ حُضورًا مُتَواضِعًا وَثَمِينًا، وَمُتَجَذِّرًا في هذِه الأَرض، الَّتي وُسِمَت بِتارِيخٍ عَرِيقٍ وَشَهاداتِ إيمانٍ مُشرِقَة.
إِنَّ لِجَماعَتِكُم المَسِيحِيَّةِ جُذورًا عَمِيقَةً جدًّا. أَنتُم وَرَثَةُ كَوكَبَةٍ مِن شُهودِ الإيمانِ الَّذين بَذَلُوا حَياتَهُم، تَدفَعُهُم مَحَبَّتُهُم للهِ وِلِلقَريب. أُفَكِّرُ بِشَكلٍ خاصّ في الرُّهبانِ والرَّاهِباتِ التِّسعَةَ عَشر، شُهداءِ الجَزائِر، الَّذين اختارُوا أَن يَبقَوا إلى جانِبِ هذا الشَّعبِ في أَفراحِهِ وآلامِه. دَمُهُم هو بِذرَةٌ حَيَّةٌ لَم تَتَوَقَّفْ قَطّ عَن الإثمار.
أَنتُم أَيضًا وَرَثَةُ تَقلِيدٍ أَقدَمَ بِكَثِير، يَعودُ إلى قُرونِ المَسِيحِيَّةِ الأُولى. في هذِه الأَرضِ تَرَدَّدَ صَوتُ القِدِّيسِ أَغُسطِينُس أُسقِفِ عَنَّابَة، الصَّوتُ المُتَّقِد، وقَد سَبَقَتهُ شَهادَةُ والِدَتِه القِدِّيسَةِ مونيكا في الإيمان، وشَهادَةُ قِدِّيسينَ آخَرين. ذِكراهُم نِداءٌ مُضِيءٌ لِنَكونَ اليومَ عَلاماتٍ صادِقَةً لِلوَحدَةِ والشَّرِكَةِ والحِوارِ والسَّلام.
لَكُم جَميعًا، أَيُّها الأَعِزَّاء، وللَّذينَ يُتابِعونَ هذا اللِقاءَ عَن بُعدٍ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِم مِنَ الحُضُور، أُعَبِّرُ عَن شُكرِي لالتِزامِكُم اليَومِيّ الَّذي تُظهِرونَ بِهِ الوَجهَ الأُمومِيّ لِلكَنِيسَة. أَشكُرُ صاحِبَ النِّيافَةِ علَى الكَلامِ الَّذي وجَّهَه إليَّ، كَما أَشكُرُ راكلي، وعَلِي، ومونيا، والرَّاهِبَةَ بِرناديت علَى ما شارَكونا بِهِ. علَى ضَوءِ ما أَصغَينا إلَيه، أَوَدُّ أنْ نَتَوَقَّفَ معًا لِنَتَأَمَّلَ في ثَلاثَةِ أَوجُهٍ لِلحَياةِ المَسِيحِيَّةِ أَراها بالِغَةَ الأَهَمِّيَّة، لا سِيَّما لِحُضُورِكُم هنا، وهي: الصَّلاة، والمَحَبَّة، والوَحدَة.
أَوّلًا، الصَّلاة. نَحنُ جَميعًا بِحاجَةٍ إلَيها. شدَّدَ علَى ذلِكَ القِدِّيسُ البابا يوحنَّا بولس الثَّاني عِندَما تَكَلَّمَ معَ الشَّباب، قال: "الإنسانُ لا يَستَطِيعُ أنْ يَعِيشَ بِدونِ أنْ يُصَلِّي، كَما لا يَستَطِيعُ أَنْ يَعِيشَ بِدونِ أَنْ يَتَنَفَّس" (لقاءٌ مع الشَّبابِ المسلمين في الدَّارِ البيضاء، ١٩ آب/أغسطس ١٩٨٥، ٤). وكَذَلِكَ قالَ إنَّ الحِوارَ مَعَ اللّهِ هو عُنصُرٌ لا غِنَى عَنهُ، لَيسَ فَقَط مِن أَجلِ حَياةِ الكَنِيسَة، بَل مِن أَجلِ حَياةِ كُلِّ إنسان. رأَى ذَلِكَ أَيضًا القِدِّيسُ شارل دي فوكو، الَّذي أَدرَكَ دَعوَتَهُ في أَنْ يَكونَ حاضِرًا بالصَّلاة. كَتَبَ: "أنا سَعِيدٌ، سَعِيدٌ بأَنْ أَكونَ عِندَ أَقدامِ القُربانِ الأَقدَسِ في كلِّ الأَوقات" (رسالة إلى ريمون دي بليك-، ٩ كانون الأوّل/ديسمبر ١٩٠٧)، وَأَوصَى قائِلًا: "صَلُّوا كَثِيرًا مِن أَجلِ الآخَرِينَ. كَرِّسُوا أَنفُسَكُم لِخلاصِ القَريبِ بِكلِّ الوَسائِلِ المُتاحَةِ لَكُم، بالصَّلاة، واللُّطف، والقُدوَة" وَفِي هذا الصَّدَد، قالَ لَنا عَلِي، وهو يَتَحَدَّثُ عَن خِبرَةِ خِدمَتِهِ في بازِيلِيكا مَريمَ العذراءَ سَيِّدةِ أَفرِيقيا: يأتِي كَثِيرونَ إلى هنا لِيَعتَكِفُوا في الصَّمت، ولِيَعرِضُوا أمامَ اللّهِ هُمُومَهُم وقَلَقَهُم ويُوصُوا بأَحِبَّائِهم، ولِيَلتَقُوا بِمَن هو مُستَعِدٌّ لِلإصغاءِ إِلَيهِم ومُشارَكَتِهِم الأَثقالِ الَّتي يَحمِلُونَها في قلوبِهِم. وَلاحَظَ أَنَّ كَثِيرِينَ يُغادِرُونَ وَهُم مُمتَلِئُونَ بالطُّمَأنِينَةِ والسَّعادَةِ لِمَجِيِئِهم. الصَّلاةُ تُوَحِّدُ النَّاسَ وَتَزِيدُهُم إنسَانِيَّةً، وتُقَوِّي القَلبَ وتُنَقِّيه، والكَنِيسَةُ في الجَزائِر، بِفَضلِ الصَّلاة، تَزرَعُ الإنسانِيَّةَ والوَحدَةَ والقُوَّةَ والطَّهارَةَ مِن حَولِها، فَتَصِلُ إلى أَماكِنَ وسِياقاتٍ لا يَعرِفُها إلَّا الرَّبُّ يَسُوعُ وَحدَهُ.
الوَجهُ الثَّاني مِن الحَياةِ الكَنَسِيَّةِ الَّذي أَوَدُّ أَنْ أَتَوقَّفَ عِندَهُ هو المَحَبَّة. كَلَّمَتنا عَنهُ، بِشكلٍ خاصّ، الرَّاهِبةُ بِرناديت، بِمُشارَكَتِها لَنا خِبرَتَها في مُسَاعَدَةِ الأَطفالِ ذَوِي الإعاقَةِ وذَوِيهِم. نَلمِسُ مِن أَقوالِها قِيمَةَ الرَّحمَةِ والخِدمَة، لَيسَ فَقَط إسنادًا ودَعمًا لأَشَدِّ النَّاسِ ضَعفًا، بَل خُصُوصًا لِتَهيِئَةِ المَجالِ لِلنِّعمَة، حَيثُ يَنمُو ويَغتَنِي كُلُّ مَن يَندَمِجُ فيها. ورَوَت لَنا الرَّاهِبَةُ بِرناديت ماذا نَجَمَ عَن مُبادَرَةِ تَقارُبٍ أُولَى وبَسِيطَة، وهي زِيارَةُ مَرضَى، إذ بَرعَم عَنها، أَوَّلًا نِظامُ استِقبال، ومِن ثَمَّ نِظامُ مُساعَداتٍ مُتَطَوِّر، حتَّى تَكوَّنَت جَماعَةٌ حَقِيقيَّةٌ يَتشَارَكُ فِيها الكَثِيرونَ مُناسَباتِ الفَرَحِ والأَلَم، وتَربِطُهُم عَلاقاتُ ثِقَةٍ وصَداقَةٍ وأُلفَة. في بِيئَةٍ سَلِيمَةٍ وشافِيَةٍ مِثلِ هذِه، لا عَجَبَ أنْ يَجِدَ فيها المُتَأَلِّمونَ المَوارِدَ اللازِمَةَ لِيُحَسِّنُوا صِحَّتَهُم، وفي الوَقتِ نَفسِه، يَنشُرونَ الفَرَحَ للآخَرِين، كَما في حالَةِ فاطِمَة.
ثُمَّ، إنَّ مَحَبَّةَ الإخوَةِ بالتَّحدِيدِ هي الَّتي حَرَّكَت شَهادَةَ الشُّهَداءِ الَّذينَ ذَكَرناهُم. أَمامَ الكَراهِيَةِ والعُنف، بَقُوا أُمَناءَ لِلمَحَبَّةِ حتَّى بَذلِ حياتِهِم، مَعَ كَثِيرِينَ آخَرِينَ مِن رِجالٍ ونِساء، مَسِيحِيِّينَ ومُسلِمِين. عَمِلُوا ذَلِكَ بِدونِ ادِّعاءٍ أو ضَجِيج، بَل بِطُمَأنِينَةٍ وثَباتٍ وبَعِيدًا عَن الوَهمِ واليَأس، لأَنَّهُم يَعرِفُونَ مَنْ الَّذي آمَنُوا بِهِ (راجع ٢ طيموتاوس ١٢٫١). مِن أَجلِ الجَمِيع، نَستَذكِرُ كَلامَ الأَخِ لوقا البَسِيط، وهو الرَّاهِبُ الطَّبِيبُ المُسِنُّ مِن جَماعَةِ مَريَمَ العَذراءَ سَيِّدَةِ الأَطلَس (Notre-Dame de l’Atlas). عِندَما أُتِيحَ لَهُ أنْ يُغادِرَ لِيَنجُوَ مِن أَخطارٍ مُحتَمَلَة، مُقابِلِ التَّخَلِّي عَن مَرضاهِ وأَصدِقائِه، أَجاب: "أُرِيدُ أَنْ أَبقَى مَعَهُم"، وهَكَذا فَعَل. قالَ البابا فرَنسِيس، مُتَذَكِّرًا إيَّاهُ وسَائِرَ الشُّهَداءِ في مُناسَبَةِ تَطويبِهِم: "شَهادَةُ إيمانِهِم الشُّجَاعَةُ هي يَنبُوعُ رَجاءٍ مِن أَجلِ الجَماعَةِ الكاثُولِيكِيَّةِ في الجَزائِرِ وبِذرَةُ حِوارٍ مِن أَجلِ كُلِّ المُجتَمَع. لِيَكُن تَطويبُهُم حافِزًا لِلجَمِيعِ لِبِناءِ عالَمٍ مِن الأُخَوِّةِ والتَّضامُن" (صلاة المَلاك، ٨ كانون الأوّل/ديسمبر ٢٠١٨(
وَنَصِلُ هنا إلى النُّقطَةِ الثَّالِثَةِ مِن تَأَمُّلِنا: الالتِزامُ بِتَعزِيزِ السَّلامِ والوَحدَة. شِعارُ هذِه الزِّيارَةِ هو كَلامُ يسوعَ المَسِيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأَموات: "السَّلامُ عَلَيكُم!" (يوحنَّا ٢٠، ٢١)، في صُورَةٍ مَأخُوذَةٍ مِن فُسَيفَساءِ تِيبازَة (Tipasa) نَقرَأ:” In
Deo, pax et concordia sit convivio nostro “، ويُمكِنُ أَنْ نُتَرجِمَها كَما يَلِي:” لِنَسأَلِ اللّهَ أَنْ يَسُودَ السَّلامُ والوِفاقُ في عَيشِنا معًا “. كانَ السَّلامُ والوِفاقُ مِن مِيزاتِ الجَماعَةِ المَسِيحِيَّةِ مُنذُ بِدايَتِها، بِحَسَبِ رَغبَةِ يَسُوعَ نَفسِه الَّذي قال: "إِذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضًا، عَرَفَ النَّاسُ جَميعًا أَنَّكُم تَلاميذي" (يوحنَّا ١٣، ٣٥). وهنا قالَ القِدُّيسُ أَغُسطِينُس إنَّ الكَنِيسَةَ "تَلِدُ شُعوبًا، وَلَكِنَّهُم أَعضاءٌ في شَعبٍ واحِد" (عظة ١٩٢، ٢)، وكَتَبَ القِدِّيسُ قَبِريانُوس: "أَكبَرُ تَقدِمَةٍ للهِ هي السَّلامُ الَّذي يَسُودُ بَينَنا، وَوِفاقُنا الأَخَويّ، وكَونُنا شَعبًا مُجتَمِعًا في وَحدَةِ الآبِ والابنِ والرُّوحِ القُدُس" (صلاة الرّبّ يسوع، ٢٣). حَسَنٌ اليَومَ أَنْ نَجِدَ فيما أَصغَينا إلَيهِ صَدًى لِهذا الغِنَى مِن التَّعلِيمِ والأَمثِلَة…

هذه الكلمة قد نُشرت على موقع فاتيكان نيوز، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.

Next
Next

قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في الجامع الكبير بالجزائر: لِنَحترم بعضنا ولنَبْنِ السلام